الدكتور بول حامض *
الكل يعلم أنّ الأنظمة السياسية تُعرِّف الحياد على أنه " وضع قانوني ناجم عن إمتناع دولة في المشاركة الحربية أو تسوية مع دولة أخرى، كما إنّ هذه الدولة من المفترض الإلتزام على موقف الحياد تجاه المحاربين، وأن لا تعترف بالصراع القائم ولا تشارك في أحداثه ". في حالة حياد أي دولة تكسب الدولة المحايدة ثقة الأمم المتحدة وسائر الدول من أجل العمل بشكل مستقل ومباشر وفعّال.
على ما أظن أن مسؤولي الدولة اللبنانية علمانيين وروحيين يعلمون أن المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة تلزم الدول الأعضاء بتسوية منازعاتها بالوسائل السلمية والإمتناع عن التهديد بإستعمال القوة أو إستخدامها في علاقاتها. وعلى ما أظن أيضا أن ذاكرة المسؤولين ( الزمنيين والروحيين ) ناضجة لتتذكر القرار الرقم 275/71 حيث أكدت الجمعية العامة الإلتزامات وشددت على أن سياسات الحياد الوطنية التي تتبعها بعض الدول يمكن أن تسهم في تعزيز السلم والأمن الدوليين وتؤدي أدوارا مهمة في إقامة علاقات متبادلة المنفعة فيما بين بلدان العالم.
فات الدولة اللبنانية بشخص رئيس جمهوريتها ومستشاريه ورئيس مجلس الوزراء ووزرائه وتحديدا وزير الخارجية ورئيس مجلس النواب ونواب الأمة المددين لأنفسهم خلافًا للنص الدستوري وسائر العاملين في السياسة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أدركت أن سياسات الحياد الوطنية تهدف إلى تعزيز إستخدام الدبلوماسية الوقائية وهي عمليا وظيفة أساسية من مهام الأمم المتحدة كما إنها تركز على جهد مضني يقوم به الأمين العام حيث حددت يوما دوليا للحياد وسلّطت الضوء عليه بوصفه مناسبة لتعزيز الوعي العام بقيمة الحياد في العلاقات الدولية.
صدق " ونستون تشرشل " في قوله " الفرق الحقيقي بين البشر والحيوانات، هو أن الحيوانات لن تسمح أبدا لأغبى أفراد القطيع أن يقودهم ".إننا في جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني نعتبر أن ونستون شرشل أوضح أنّ الغباء المقصود ليس بالضرورة إنخفاض نسبة الذكاء الفطيري بل هو العمى عن الواقع والتصلب في الآراء وإتخاذ قرارات كارثية رغم وضوح نتائجها السيئة. سؤال لمناسبة هذه الحرب الضروس بين إيران وإسرائيل وأميركا أليس حياد لبنان عن الصراعات تثبيتا لخيار وطني يحمي لبنان من صراعات المحاور ؟
الحياد الذي نطرحه من خلال جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني ليس وليد ساعة عابرة فالمسار الذي يحيط بنا شائك ومؤلم وقاتل ومدمِّرْ وهناك مسار طويل يُملي علينا الإرتكاز على مبادئه بدءًا من الميثاق الوطن لعام 1943، إلى إعلان بعبدا في العام 2012، إلى ما طرحه بطريرك الموارنة في العام 2020 تحت عنوان : مذكرة لبنان والحياد الناشط. إستنادًا لما أسلفناه إنّ الحياد هو إمتناع لبنان عن الدخول في أحلاف ومحاور وحروب، وإمتناع الآخرين عن التدخل في شؤونه أو إستخدام أراضيه...
هل يُدرك المسؤولون ( العلمانيون والروحيون ) ما أسلفناه ؟ طبعا لا وعدم إداركهم لمبدأ الحياد أوصلنا على ما نحن عليه من مشاكل قاتلة دكّت السيادة الوطنية وقضت على ما تبقى من بيوت ومنازل في الجنوب وبعض مناطق بيروت والبقاع. هل يُدرك ساسة لبنان أنّ الحياد في القانون الدولي تكرّس في معاهدات لاهاي للعام 1907 وإنّ التطبيق يتراوح بين حياد دائم كالذي حصل في سويسرا والنمسا، إضافة إلى الحياد الظرفي كالذي إعتمد في العام 1990 كقرار للمملكة الأردنية أثناء حرب العراق، وما يُعرف بالحياد الغير مثبت قانونا كإيرلندا !
حرب لا علاقة بنا بها، أتحفتنا السلطات السياسية والأمنية والروحية بأنها أنجزت ما عليها من واجبات ليتبيّن لنا كمواطنين أنّ هذا السلاح الغير شرعي ورّطنا في مشكلة دقيقة وخطيرة سندفع ثمنها باهظا علما أن هذا السلاح لم يوفر الردع وليس قوة رادعة فعليا، بل هو سلاح ورّط لبنان ومهمته الأولى والأخيرة المحافظة على سطوة إيران على لبنان، مقابل زعامات خنوعة لا قدرة لديها على المواجهة وتطبيق القانون... إنها مؤامرة على الجمهورية وعلى الشعب اللبناني.
حيِّدوا لبنان عن الصراعات لكي لا ندفع الأثمان الباهظة أيها المسؤولون الزمنيون والروحيون، حاليا أيها السادة لا يخلو تاريخنا السياسي من ممارسة درجات خطيرة من البذاءة السياسية والتي يقتصر قيامها على ساسة (علمانيين وروحيين) فاشلين مسؤولين عمّا وصلنا إليه من أزمات.
ما يبرره ساسة الأمر الواقع ( علمانيين وروحيين) ليس من المفترض تمريره ببساطة لا سيما في وقت صارت أمثلة الأداء السياسي في علاقات المسؤولين مع شعبهم والدول تصل إلى أسماع كثيرين في ظل ثورة ستتحرك في سواعد الشرفاء... إنّ إستعادة الجمهورية لواقعها ولحضورها وتطبيق قرارات السياسة العامة والدستور والقرارات الدولية بشكل حازم واجب وضرورة، وإلاّ الطلب من مجلس الأمن التدخل بموجب الفصل السابع على طريق إستعادة هيبة الدولة ووضع حد نهائي لهذه الفوضى السياسية المتمثلة بالطبقة السياسية الحاكمة.
* ناشط سياسي و رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني











03/24/2026 - 10:14 AM





Comments