بيروت - ليلى ابو حيدر
رئاسة الجمهورية اللبنانية أعلنت قرارها بتسمية وفد تفاوضي لبناني مكوّن من السفير السابق سيمون كرم والأمين العام عبد الستار عيسى لقيادة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في خطوة اعتبرتها مصادر رسمية حاسمة تجاه خِيار التفاوض. القرار، الذي اتخذ استناداً إلى الصلاحيات الدستورية للرئيس، أعاد رسم خطوط الاشتباك السياسي الداخلي، وطرح تساؤلات حول انعكاسات تحييد رئيس مجلس النواب عن إدارة المِلَفّ وسبل احتواء ردود الفعل المحلية والإقليمية.
السياق السياسي والدستوري
رئيس الجمهورية جوزاف عون اتخذ قراره في ظل جمود طويل بشأن آلية التمثيل، وبتمسّك بوجوب اعتبار "الآلية الميكانيزم" الإطار الوحيد للتفاوض، وهو الموقف الذي عبّر عنه رئيس مجلس النواب نبيه بري برفضه تسمية ممثل شيعي في الوفد. أمام هذا التعطيل، استندت رئاسة الجمهورية إلى صلاحياتها الدستورية لتجاوز العقدة العملية، معتبرة أن حماية السيادة والمصلحة الوطنية تبرر المبادرة إلى تشكيل وفد مدني دبلوماسي قادر على الانخراط في مفاوضات مباشرة.
يعكس القرار رغبة في كسر حالة الشلل التي أعاقت أي تقدم في مِلَفّ التفاوض، ويضع لبنان على مسار جديد يخرج التفاوض من الإطار العسكري‑التقني إلى فضاء سياسي‑مدني قد يتيح تحقيق مكاسب تفاوضية أوسع.
تشكيل الوفد ودلالاته الرمزية والاستراتيجية
اختيار سيمون كرم وعبد الستار عيسى يحمل رسائل متعددة: أولها تحويل المِلَفّ إلى قيادة مدنية دبلوماسية، وثانيها محاولة استثمار خبرات سابقة في لجنة الميكانيزم لتأمين استمرارية فنية مع إضفاء طابع سياسي. التشكيلة تهدف إلى إظهار قدرة الدولة على المبادرة وحماية مصالحها عبر ممثلين ذوي خبرة دبلوماسية، بعيداً عن الانقسام الحاد حول التمثيل الطائفي.
رمزيًا، القرار يضعف موقع من كان يتحكم بالملف تقليديًا، ويعيد توزيع الأدوار بين مؤسسات الدولة، ما قد يفسر على أنه سعي رئاسي لاستعادة زمام المبادرة في ملف حساس يمس الأمن القومي والحدود البحرية.
تبعات داخلية ومخاطر الاستقطاب
الخطوة الرئاسية قد تؤدي إلى توترات داخلية، خصوصًا في الأوساط التي ترفض التفاوض مع إسرائيل أو تعتبره خيانة لخطوط سياسية أو ميدانية. تحييد رئيس المجلس عن الملف قد يولّد إحراجًا سياسيًا له أمام بيئته، ويزيد من حدة الانقسام بين مؤسسات الدولة والأحزاب، ما يهدد قدرة النظام السياسي على التوافق حول قضايا استراتيجية.
من جهة أخرى، غياب تمثيل شيعي رسمي في الوفد قد يُستغل سياسيًا لإثارة مخاوف من تهميش مكونات أساسية، ما يستدعي إدارة حكيمة للحوار الداخلي لتفادي انفجار شعبي أو سياسي قد يعقّد مسار التفاوض.
أبعاد إقليمية ودولية
- إقليميًا، أي مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل يثير حساسية لدى فاعلين إقليميين، وقد يواجه محاولات ضغط أو استغلال سياسي. دولياً، نجاح المسار يتطلب غطاءً وضمانات من شركاء دوليين، خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لتأمين التزامات إسرائيلية ملموسة وتخفيف مخاطر الردود الإقليمية.
- الرهان الرئاسي يبدو مبنياً على أن وجود وفد مدني دبلوماسي سيجذب دعماً دولياً أكبر من مسار عسكري بحت، لكن هذا الافتراض يحتاج إلى تأكيد عملي عبر ضمانات مكتوبة أو آليات رقابية تضمن تنفيذ أي اتفاق مستقبلي.
سيناريوهات مستقبلية وتوصيات عملية
إذا نجحت الرئاسة في فتح قنوات تفاهم مع رئيس المجلس والقوى الشيعية، يمكن أن يتحول القرار إلى نقطة انطلاق لتسوية تقنية أو سياسية حول الحدود والموارد البحرية، مع إمكانية تحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية للبنان.
سيناريو الاحتقان السياسي
في حال تصاعد الاحتقان، قد يتعرض المسار للتعطيل أو التشويش، ما يهدد استقرار العملية التفاوضية ويزيد من مخاطر التصعيد الداخلي أو الإقليمي.
سيناريو الضمانات الدولية
أفضل مسار عملي يتطلب تأمين غطاء دولي واضح يضمن التزامات إسرائيلية ومقايضات ملموسة للبنان، مع آليات مراقبة دولية لتطبيق أي اتفاق.
توصيات عملية
- فتح قنوات تواصل فورية بين رئاسة الجمهورية ورئيس المجلس والقوى المعنية لخفض الاحتقان وشرح الأهداف والحدود.
- ربط التفاوض بمكاسب قابلة للقياس (حدود بحرية واضحة، حقوق نفطية، ضمانات أمنية) قبل المضي في خطوات سياسية.
- تأمين غطاء دولي عبر اتصالات مع شركاء دوليين لتوفير ضمانات تنفيذية وتخفيف مخاطر الردود الإقليمية.
- إدارة إعلامية دقيقة لشرح مبررات القرار وطمأنة الجَمهور حول عدم المساس بالثوابت الوطنية أو التمثيل الطائفي.
قرار رئاسة الجمهورية بتسمية وفد تفاوضي يمثل تحولًا استراتيجيًا في إدارة مِلَفّ التفاوض مع إسرائيل، ويعكس رغبة في كسر الجمود واستعادة المبادرة. المسار الجديد يحمل فرصًا حقيقية لتحقيق مكاسب وطنية إذا ما رافقته إدارة داخلية حذرة وضمانات دولية قوية، لكنه في الوقت نفسه يضع لبنان أمام تحديات داخلية وإقليمية تتطلب حكمة سياسية وتوافقاً وطنياً لتفادي تفاقم الانقسامات. نجاح هذا الخِيار لن يُقاس فقط بقدرة الوفد على التفاوض، بل بمدى قدرة المؤسسات اللبنانية على تحويل القرار إلى مشروع وطني جامع يحمي السيادة والمصلحة العامة.













03/24/2026 - 09:45 AM





Comments