رامز الحمصي
تُظهر أدبيات التحول السياسي منذ تسعينيات القرن الماضي أن أخطر ما يواجه المجتمعات الخارجة من الثورة أو من انهيار السلطويات هو تحويل الديمقراطية من مسار تأسيسي طويل إلى زينة لغوية سريعة تُعلَّق على واجهة النظام الجديد، ثم يُطالب من المجتمع أن يتصرف على الفور كما لو أنه امتلك أحزاباً، وإدارة عامة مستقرة، وقضاءً يحظى بالثقة، واقتصاداً قادراً على امتصاص الصدمات.
في هذه اللحظة بالذات يبدأ ما يمكن تسميته التلون الديمقراطي، أي المطالبة باستبدال البناء المؤسسي الفعلي بمشهد انتخابي أو خطابي يمنح شرعية عاجلة ولا يمنح قدرة حقيقية على الحكم. الخبرة المقارنة بعد 1990، من أوروبا الشرقية إلى عدد من البيئات العربية والإفريقية، بينت أن ضعف التنظيم الحزبي، وضعف الوسائط التي تنقل المطالب من الشارع إلى الدولة، وغياب التدرج في بناء السلطة العامة، كلها عوامل تدفع المجال العام إلى سيولة مفرطة تفتح الباب أمام فاعلين أكثر تنظيماً من المجتمع نفسه، سواء كانوا شبكات مصالح قديمة، أو قوى مسلحة، أو نخباً ماهرة في اقتناص الفراغ.
لذلك تصبح الفوضى هنا نتيجة شبه طبيعية لانتقال يوسّع المشاركة قبل أن يؤسس قواعدها، ويحرر التنافس قبل أن يضبطه، ويطلق الوعود قبل أن يبني أدوات تنفيذها. وتضيف مناقشات الترتيب بين بناء الدولة والديمقراطية أن الشرعية الانتخابية، حين تنشأ فوق مؤسسات رخوة، تُحمَّل أكثر مما تحتمل، فتتعثر سريعاً تحت ضغط التوقعات الشعبية، وتتحول صناديق الاقتراع من آلية تنظيم للتعدد إلى أداة لقياس الإحباط المتراكم. ومن هذه الزاوية يصير السؤال المركزي في أي انتقال: كيف تتقدم الشرعية من دون أن تتآكل الدولة، وكيف يتسع المجال السياسي من دون أن يتحول إلى ساحة اقتناص مفتوح للقوة والمال والهويات المنفلتة.
وإذا كان الوعي في المسافة الفاصلة بين التلون الحقيقي والهدف المراد، فإن هذا الوعي معرفة عملية بطريقة الوصول إلى العقد الاجتماعي. فالعقد الاجتماعي في أدبيات الحكم صيغة منظمة لتبادل الالتزامات بين الدولة والمجتمع؛ عبر من يملك القرار، وكيف يُراقب، وما الذي يُقدَّم للمواطن في الأمن والخدمات والعدالة والتمثيل، وما الحدود التي تمنع السياسة من الوقوع في المحظورات. لذلك فإن الطريق إليه يبدأ من تعريف موضوع النزاع نفسه، لأن المجتمعات الخارجة من الثورات كثيراً ما تختلف على معنى الدولة قبل أن تختلف على شاغليها، وعلى وظيفة الاقتصاد قبل أن تختلف على توزيعه، وعلى هوية المجال العام قبل أن تختلف على قوانينه.
هنا تظهر قيمة التنظيم الحزبي والسياسي خارج صورة الزينة الديمقراطية، وفي صورة أداة لتجميع المصالح، وتبريد الانفعالات، وتحويل الاحتجاج غير المنظم إلى برامج قابلة للتفاوض. وحين تغيب هذه الطبقة التنظيمية الوسيطة، يتحول المواطن إلى فرد سياسي معزول، شديد الحساسية للإشاعة، سريع الارتماء في حماية العصبية أو الزعامة المحلية، وهو ما يضعف معنى المواطنة المتساوية ويجعل الدولة الجديدة أقل قدرة على تمثيل الجميع على المدى الطويل.
كما تظهر قيمة الإدارة العامة والسلطات المحلية والأجهزة الرقابية في منح الناس خبرة يومية بأن الدولة عبارة عن ترتيبات ملموسة قابلة للمساءلة. وتبين دراسات المساءلة وبناء الإدارة في البيئات الانتقالية أن الناس يبدؤون استعادة الثقة حين تصبح العلاقة مع الدولة قابلة للتوقع، وحين تُوزَّع الصلاحيات بوضوح، وحين تتراجع المنطقة الرمادية بين القرار الشخصي والقرار المؤسسي. ومن دون هذا التحول من المِزَاج الثوري إلى الهندسة المؤسسية، يبقى العقد الاجتماعي مؤجلاً، وتبقى السياسة رهينة تعبئة عاطفية عالية الكلفة وسريعة الاستهلاك، فيما تتراكم الخيبة داخل المجتمع وتتحول الديمقراطية إلى اسم بلا مضمون اجتماعي.
تطويع المجتمع بعد الثورات عبر حكم عسكري ديكتاتوري قد يمنح انضباطاً قسرياً قصير الأجل، ويغلق الفضاء العام، ويؤجل الانفجار، وهو يعيد إنتاج المأزق نفسه داخل صورة أكثر صلابة، إذ تنكمش السياسة مرة أخرى، وتتآكل الثقة، وتُدفَع الدولة إلى الاكتفاء بوظيفة السيطرة بدل وظيفة البناء. المسار الأجدى، وفق كثير من دراسات التنمية السياسية والإصلاح الإداري، يقوم على إشغال المجتمع بأفق اقتصادي ومعيشي محسوس من خلال فرص عمل، استقرار أسعار، نقل، كهرباء، تعليم، صحة، وعدالة خِدْمَات بين المراكز والأطراف.
هذا الاختيار لا يعني صرف الأنظار عن السياسة؛ إنه ينقل السياسة إلى مستوى أكثر نفعاً، فعندما يشعر المواطن أن دخله، وخدمته، وكرامته الإدارية، وحصته من الدولة تتحسن ضمن قواعد معلنة، تتراجع جاذبيته نحو الأفكار الخارجية، ويصبح المجال أوسع أمام النخب السياسية كي ترتب أولويات الدولة الناشئة ببرودة أعصاب أكبر عبر صياغة دستور، بناء جهاز بيروقراطي مهني، تنظيم التنافس الحزبي، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والمجتمع على أساس منفعة عامة قابلة للقياس.
وتؤكد تقارير التنمية والحكم في المنطقة العربية وفي الاقتصادات الانتقالية أن تحسين الخدمات العامة، وربط الإصلاح الاقتصادي بمكاسب يومية مرئية، يخففان من قابلية المجتمع للارتداد نحو السلطوية أو الارتهان لخطابات الخلاص السريع. بهذا المعنى، لا يكون الوعي الاقتصادي والمعيشي بديلاً من التحول الديمقراطي؛ إنه قاعدته الاجتماعية الحية، بل إنها البيئة التي تمنع السياسة من التحول إلى صراع أشكال فارغة.
الحقيقة أن الاندفاع غير المنظم وخطر الوقوع في استراتيجيات الآخرين، سببه أن المجتمع الذي لا يملك خبزه، ولا يثق بإدارته، ولا يرى مؤسساته تعمل أمامه، يظل قابلًا للاستتباع مهما علت شعاراته.











03/24/2026 - 08:58 AM





Comments