
تحليل إخباري موسّع من اعداد جورج ديب
لبنان يتقدّم بخطى متسارعة نحو مرحلة غير مسبوقة من الانفجار الشامل، فيما تتكثّف المؤشرات على أنّ البلاد دخلت رسميًا أخطر لحظاتها منذ نهاية الحرب الأهلية. فالغارات الإسرائيلية التي بدأت “ردودًا موضعية” تحوّلت خلال الساعات الماضية إلى عمليات واسعة تطال الجنوب والبقاع وأطراف العاصمة، مع استهدافات دقيقة للبنى التحتية والجسور ومحطات الكهرباء، في رسالة واضحة بأنّ إسرائيل لم تعد تتصرّف بمنطق الاحتواء، بل بمنطق فتح الباب أمام مواجهة طويلة ومفتوحة.
وفي تطوّر غير مسبوق منذ عام 2006، ألقت الطائرات الإسرائيلية منشورات فوق بيروت تحمل تهديدًا مباشرًا: "لن تكون هناك إنذارات لاحقًا". خطوة اعتُبرت إعلانًا صريحًا بأنّ العاصمة باتت داخل دائرة الضغط النفسي وربما العسكري، وأنّ إسرائيل تريد إيصال رسالة مفادها أنّ المرحلة المقبلة لن تشبه ما قبلها، وأنّ قواعد الاشتباك التي اعتاد عليها اللبنانيون منذ سنوات تتآكل بسرعة.
مصادر أمنية لبنانية أكدت أنّ طبيعة الضربات الأخيرة "تشي بقرار إسرائيلي بتوسيع رقعة الاستهداف"، وأنّ تل أبيب “تستغلّ الانقسام الداخلي والفراغ السياسي لتغيير المعادلات على الأرض”. وتشير هذه المصادر إلى أنّ استهداف البنى التحتية ليس تفصيلًا، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى إضعاف قدرة الدولة على الصمود، ودفع اللبنانيين نحو الضغط الداخلي على القوى المسلحة.
على المستوى الدولي، يتحرّك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في سباق مع الوقت، محذرًا من أنّ لبنان "يقترب من نقطة اللاعودة". جولة غوتيريش بين باريس وروما والدوحة تعكس حجم القلق الدولي من توسّع المواجهة، لكنّ مصادر دبلوماسية تؤكد أنّ الوساطات تتهاوى واحدة تلو الأخرى، وأنّ إسرائيل غير مستعدة لأي تهدئة قبل تحقيق مكاسب ميدانية وسياسية واضحة”. وتضيف المصادر أنّ المجتمع الدولي يخشى انهيارًا شاملًا في لبنان قد يفتح الباب أمام موجة نزوح جديدة نحو أوروبا، وأنّ التحذيرات الأممية ليست مجرد لغة دبلوماسية، بل توصيف دقيق لواقع يقترب من الانفجار.
في موازاة التصعيد، برز موقف لافت من الفاتيكان، حيث عبّر البابا لاوون الرابع عشر، عن تضامنه مع مسيحيّي الجنوب ومع جميع المدنيين تحت القصف، مؤكدًا أنّ "لبنان ليس وحده". هذا الموقف لم يأتِ من فراغ، بل من قلق حقيقي على الوجود المسيحي في مناطق تتعرّض لضربات متكررة، خصوصًا في بلدات لبنان الجنوبية أمثال: رميش، أبو قمحة، أبل السقي، بنت جبيل، عين ابل، دبل، دير ميماس، دير قانون النهر، جديدة مرجعيون، جزين، رميش، راشيا الفخار، زبقين، زحلتا، صربا، صريفا، القليعة، القوزح، كوكبا، مجدل زون، مجدلين، مروحين.
مصادر كنسية أشارت إلى أنّ الفاتيكان “يرى في استهداف المناطق المسيحية محاولة لزعزعة التوازن اللبناني”، وأنّ حماية هذا التوازن "جزء من حماية الكيان اللبناني نفسه". وتضيف المصادر أنّ دوائر القرار في روما "تخشى من تفريغ الجنوب من سكانه"، وأنّ هذا السيناريو سيكون له تداعيات خطيرة على الصيغة اللبنانية برمّتها.
أما داخليًا، فقد فجّر رئيس الحكومة نواف سلام المشهد السياسي بتصريحات غير مسبوقة، أعلن فيها أنّ "حظر التفاوض مع إسرائيل لم يعد قائمًا، وأنّ حصر السلاح بيد الدولة بات ضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها.
كلام سلام، الذي جاء في لحظة حساسة، لم يقله أي من رؤساء الحكومة السابقين خلال الحرب التي قادتها اسرائيل على لبنان واعتُبر من قبل خصومه "تجاوزًا للخطوط الحمراء"، فيما رأته قوى أخرى خطوة شجاعة نحو استعادة الدولة!.
حزب الله ردّ بلهجة حادة، معتبرًا أنّ تصريحات سلام "لا تعبّر عن الإجماع الوطني"، وأنّ التهويل بالسلاح لن يغيّر شيئًا في معادلة الردع. لكنّ مصادر سياسية مطلعة أكدت أنّ كلام سلام "ليس زلّة لسان"، بل "موقف مدروس يفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة"، وقد يشكّل بداية نقاش وطني حول مستقبل السلاح ودور الدولة في ظلّ الانهيار المتسارع.
الواقع الداخلي لا يقلّ خطورة عن المشهد الأمني. فالدولة اللبنانية تعيش حالة شلل شبه كامل: فراغ رئاسي بلا أفق، حكومة تعمل بصلاحيات محدودة، مجلس نواب عاجز عن التشريع، وقضاء منقسم، واقتصاد يواصل انهياره بلا كوابح. الخدمات الأساسية تتراجع إلى مستويات كارثية، والقدرة الشرائية تتآكل، والناس يعيشون تحت ضغط يومي من القصف والانهيار المالي وانعدام الثقة. خبراء اقتصاديون يحذّرون من أنّ “الانفجار الاجتماعي بات مسألة وقت، وأنّ استمرار الوضع على ما هو عليه “قد يؤدي إلى انهيار كامل للمنظومة.
النازحون اليوم تجاوز عددهم المليون مهجر يشكلون كارثة إنسانية وأمنية لا يمكن تجاهلها أو تبريرها؛ هذا الرقم الصادم يعكس ثمن الصراع الذي دفعه المواطنون الأبرياء، ويضع عبئًا هائلاً على مؤسسات الدولة الهشة والخدمات العامة التي باتت على شفير الانهيار. تكدّس النازحين في مخيمات مؤقتة ومنازل مستأجرة يفاقم أزمة السكن والصحة والتعليم ويزيد من احتمالات تفشّي الأمراض والتوترات الاجتماعية، بينما تُستغل معاناتهم سياسيًا لتبرير مواقف أو لتصفية حسابات داخلية وإقليمية.
المطلوب الآن إجراءات طارئة وحقيقية: فتح ممرات إنسانية، توفير تمويل دولي عاجل، وإطلاق خطة وطنية لإعادة النازحين إلى مناطق آمنة أو تأمين حلول بديلة تحفظ كرامتهم وحقوقهم. أي نقاش سياسي أو تفاوض لا يأخذ في الحسبان معاناة أكثر من مليون مهجر سيكون ناقصًا وغير مسؤول، وعلى الحكومة والمجتمع الدولي أن يتحملا مسؤولياتهما فورًا.
في قراءة للسيناريوهات المقبلة، يرجّح مراقبون ثلاث مسارات: الأول، توسّع المواجهة العسكرية إلى حرب واسعة، خصوصًا إذا استمرت إسرائيل في استهداف العمق اللبناني. الثاني، هدنة هشّة قد تُفرض بضغط دولي، لكنها لن تعالج جذور الأزمة. الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، إعادة تشكيل المشهد السياسي الداخلي، خصوصًا بعد مواقف نواف سلام التي أعادت طرح مِلَفّ السلاح والعلاقة مع إسرائيل على الطاولة، في لحظة تبدو فيها البلاد على مفترق طرق تاريخي.
لبنان اليوم يقف على حافة الهاوية. الغارات تتصاعد، التهديدات تتكاثر، المبادرات تتساقط، والدولة تتفكّك. وفي ظلّ غياب رؤية وطنية جامعة، يبقى اللبنانيون وحدهم في مواجهة عاصفة تتجاوز حدودهم. الساعات المقبلة لن تكون عادية، وقد تحدّد شكل المرحلة المقبلة، بين انفجار واسع أو هدنة مؤقتة أو مسار سياسي جديد يعيد رسم ملامح الدولة. لكنّ المؤكد أنّ لبنان دخل مرحلة لا تشبه ما قبلها، وأنّ الخروج منها لن يكون سهلًا ولا قريبًا.













03/23/2026 - 19:23 PM





Comments