جبران الخوري
يُثير الجدل الداخلي في لبنان، منذ تدخل حزب الله في 2 آذار ضمن سياق الحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إشكالية عميقة تتجاوز البعد السياسي لتطال الإطار القانوني الناظم لتوصيف المسؤوليات.
فقد سادت في الخطاب العام سردية تُحمّل الحزب المسؤولية الكاملة عن التداعيات اللاحقة، وهو موقف تبنّاه مسؤولون رسميون على أعلى المستويات، وكرّسته مواقف قوى سياسية مختلفة، كما عززته وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على حد سواء، وصولًا إلى تبسيط المشهد في خطاب عام يربط بشكل مباشر بين فعل التدخل وما أعقبه من دمار ونزوح واسع النطاق. وبلغ هذا التوجه الى حدّ أن صحيفة "النهار" اللبنانية العريقة عنونت صفحتها الأولى بصورة معبّرة عن مأساة النزوح الجماعي بعبارة حاسمة تُسند المسؤولية بشكل كامل إلى الحزب، فجاء العنوان العريض: "هجّرهم حزب الله".
غير أنّ هذا الطرح، على الرغم من حضوره الكثيف في المجالين الإعلامي والسياسي، يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى اتساقه مع القواعد التي يقرّها القانون الدولي، ولا سيما لجهة التمييز بين مسؤولية بدء الأعمال العدائية من جهة، ومشروعية الأفعال العسكرية اللاحقة وحدودها من جهة أخرى. فهل يُجيز القانون الدولي تحميل طرف واحد كامل تبعات التصعيد، أم أنه يفرض مقاربة أكثر تعقيدًا تقوم على توزيع المسؤوليات وفق معايير محددة، أبرزها الضرورة والتناسب والتمييز؟
إذًا، يُثير النقاش حول مشروعية العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان خلال آذار 2026 إشكاليات قانونية معقّدة تتعلق بحدود استخدام القوة في القانون الدولي، ولا سيما في ضوء التمييز بين قواعد اللجوء إلى القوة وقواعد سلوك العمليات القتالية.
وفي هذا السياق، يقدّم تحليل قانوني نشره Adil Ahmad Haque على منصة Just Security مقاربة نقدية تعتبر أن الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان لا تستوفي الشروط القانونية اللازمة لاعتبارها ممارسة مشروعة لحق الدفاع عن النفس، سواء من حيث شرط الضرورة أو التناسب كما ينظمهما ميثاق الأمم المتحدة.
ينطلق هذا التحليل من الإطار القانوني العام الذي يحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية إلا في حالتين محددتين، هما صدور تفويض من مجلس الأمن أو ممارسة حق الدفاع عن النفس ردًا على هجوم مسلح.
غير أن هذا الحق الأخير ليس مطلقًا، بل يخضع لشروط صارمة، أبرزها أن يكون استخدام القوة ضروريًا ولا يتجاوز ما هو متناسب مع الهدف الدفاعي المشروع.
وفي الحالة الراهنة، يرى التحليل أن شرط الضرورة غير متحقق، إذ إن استخدام القوة في لبنان لا يُعد الخيار الوحيد المتاح أمام إسرائيل لوقف الهجمات المنسوبة إلى حزب الله، بل كان بالإمكان، وفق هذا المنطق، اللجوء إلى بديل غير عسكري يتمثل في إنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران، والتي تُعد السبب المباشر لانخراط الحزب في النزاع.
وبذلك، فإن استمرار العمليات في لبنان يُعتبر غير ضروري قانونًا، ما يُسقط أحد الأركان الأساسية لمشروعية الدفاع عن النفس.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في ضوء العلاقة التي يقيمها التحليل بين استمرار الفعل غير المشروع والقدرة على التذرع بالدفاع عن النفس.
فالدولة التي تواصل خرق قاعدة آمرة في القانون الدولي، كحظر العدوان، لا يمكنها في الوقت نفسه أن تستند إلى حق قانوني ناشئ عن الوضع الذي ساهمت في خلقه.
ومن هذا المنطلق، فإن إنهاء العمليات العسكرية ضد إيران يُشكّل شرطًا أوليًا لإمكانية إعادة تفعيل حق الدفاع عن النفس في مواجهة هجمات لاحقة، سواء من إيران أو من أطراف مرتبطة بها.
إلى جانب شرط الضرورة، يثير التحليل مسألة التناسب، خصوصًا في ضوء حجم الأضرار التي لحقت بالمدنيين والبنية التحتية في لبنان.
فقد أشار مسؤولون دوليون إلى أن الرد الإسرائيلي اتسم بكونه واسع النطاق وأدى إلى نزوح جماعي ومخاطر إنسانية جسيمة. ووفقًا للمعايير المنصوص عليها في المادة 51(5)(ب) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، يُحظر شن هجوم يُتوقع أن يُسبب أضرارًا مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة.
وفي هذا الإطار، فإن المعطيات المتعلقة بأعداد الضحايا المدنيين واتساع نطاق الدمار تثير تساؤلات جدية حول مدى احترام هذا المبدأ.
كما يؤكد التحليل على ضرورة الفصل بين مشروعية اللجوء إلى القوة ومشروعية سلوك العمليات القتالية، إذ إن انتهاك أحد الأطراف لقواعد القانون الدولي، بما في ذلك استهداف المدنيين، لا يبرر للطرف الآخر ارتكاب انتهاكات مماثلة أو استخدام قوة غير ضرورية أو غير متناسبة.
فالقانون الدولي الإنساني يفرض التزامات مستقلة على جميع أطراف النزاع، بغض النظر عن مشروعية أفعال الخصم.
ويخلص التحليل إلى أن الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان تبدو غير مشروعة حتى على افتراض أن الهجمات المنسوبة إلى حزب الله قد تفعّل حق الدفاع عن النفس، إذ إن غياب شرط الضرورة كافٍ لإسقاط هذا التبرير القانوني.
كما أن تجاوز حدود التناسب، في حال ثبوته، يعزز من عدم مشروعية هذه العمليات ويطرح احتمال ترتب مسؤوليات قانونية دولية.
تُظهر هذه المقاربة أن تقييم مشروعية استخدام القوة لا يمكن اختزاله في سردية "الرد على هجوم"، بل يتطلب تحليلًا دقيقًا لشروط قانونية متداخلة، في مقدمتها الضرورة والتناسب، فضلًا عن السياق الأوسع الذي قد يشمل أفعالًا غير مشروعة سابقة.
وعليه، فإن أي معالجة قانونية جدية للنزاع تقتضي النظر إلى سلوك جميع الأطراف، والدفع نحو إنهاء الأفعال غير المشروعة كمدخل أساسي لوقف التصعيد وإعادة الاعتبار لقواعد القانون الدولي.











03/23/2026 - 15:46 PM





Comments