إيران ما بعد لاريجاني: أوتوقراطية متصدّعة تحت الحصار

03/23/2026 - 07:09 AM

Atlantic home care

 

 

بقلم شربل عبد الله أنطون

دفعت عمليات اغتيال علي خامنئي وعلي لاريجاني الجمهورية الإسلامية إلى أشد أزماتها حدةً منذ عام 1979.

أدى اغتيال علي لاريجاني، آخر خيط يربط بين مراكز القرار في طهران، إلى تحطّم ما تبقّى من تماسك هشّ داخل هرم السلطة، ودفع النظام بسرعة نحو أوتوقراطية متشقّقة: متصلّبة في خطابها، مشلولة نسبياً في أدائها. فبعد أسابيع فقط على مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، جاء سقوط لاريجاني ليزيل آخر شخصية قادرة على وصل المؤسسة الدينية بالحرس الثوري وبحكومة الرئيس مسعود بزشكيان ذات التوجه الإصلاحي. ومع غياب أي مرجعية موحِّدة، وتحت وطأة القصف المتواصل، تدخل طهران أكثر لحظاتها هشاشة.

خلافة هشّة… ومجتبى خامنئي في دائرة الشك

مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي أطلق مسار خلافة سريعاً لكنه هشّ. ففي 8 آذار، عيّن مجلس الخبراء نجله مجتبى خامنئي مرشداً أعلى. منذ ذلك الحين، لم يظهر مجتبى في أي تسجيل مستقلّ؛ كل رسائله تمرّ عبر الإعلام الرسمي، وتتمحور حول التحدّي العسكري والدعوة إلى طرد القوات الأميركية من الخليج. المسؤولون ينفون الشائعات المتكرّرة عن إصابته بجروح خطيرة في الضربة الأولى، لكن غياب أي ظهور واضح يزيد الشكوك حول مدى قدرته الفعلية على الإمساك بالسلطة.

صراع أجنحة داخل الحرس الثوري ورجال الدين

من دون تأثير لاريجاني المُوازن، تعمّقت الانقسامات. صقور الحرس الثوري يسعون للهيمنة تحت قيادة مجتبى الاسمية، فيما يناور رجال الدين وكبار السياسيين- ومنهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف- لتحصيل مكاسب خاصة. والنتيجة: فوضى متصاعدة، قرارات متضاربة، تباطؤ في الحسم، وخطر متزايد لعمليات تطهير داخلية. لا شخصية واحدة تمتلك السلطة المطلقة التي كان يتمتع بها السيد علي خامنئي، ما يترك النظام مكشوفاً أمام الشلل في لحظة حرجة.

تشرذم عسكري يضرب ما تبقّى من القيادة المركزية

عسكرياً، الضربة قاسية. فلاريجاني كان ينسّق ما تبقّى من الهيكل القيادي بعد مقتل قائد الحرس الثوري محمد باكبور، ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني، ومعظم القيادة البحرية. منذ أواخر شباط، نفّذت القوات الأميركية والإسرائيلية عشرات الضربات الدقيقة التي دمّرت القدرات التقليدية لإيران، من البحرية إلى الدفاعات الجوية ومواقع إنتاج الصواريخ. ما تبقّى اليوم هو وحدات متفرّقة من الحرس تعمل وفق خطط طوارئ قديمة، لا ضمن قيادة موحّدة.

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخيرة تتحوّل إلى مصدر خطر

يظهر هذا التشرذم بوضوح في مضيق هرمز، آخر ورقة ضغط حقيقية بيد طهران. كان لاريجاني يقدّم المضيق كـ "ممرّ للسلام والازدهار" لمن يتعاون، أو "مضيق للهزيمة" لمن يعادي- مزيجاً محسوباً من التهديد والإشارة الدبلوماسية. هذا التوازن اختفى. من دونه، تصبح وحدات الحرس أكثر ميلاً للتصرّف الارتجالي: زوارق سريعة تحاصر ناقلات، طائرات مسيّرة تستهدف سفناً تجارية، خلايا مستقلة تزرع ألغاماً من دون إذن مركزي. كل خطوة من هذه ترفع احتمال سوء التقدير، وتُصعّب أي مسار لخفض التصعيد.

تراجع الملاحة وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات حرجة

النتائج الميدانية واضحة. حركة الملاحة التجارية تراجعت بشدّة مع تشديد شركات التأمين تغطية المخاطر وارتفاع الأقساط. آخر الضحايا، الناقلة التايلاندية، والتي أكّدت وسائل إعلام إيرانية ودولية أنها ضُربت عمداً. ومع مرور نحو 20% من النفط العالمي عبر المضيق، كان التباطؤ كافياً لإبقاء سعر برنت بين 103 و107 دولارات.

قرار مجلس الأمن 2817: غطاء دولي بلا تحالف فعلي

القوات الأميركية أعلنت تدمير عدّة سفن إيرانية يُشتبه بأنها مخصّصة لزرع الألغام، لكن الردع النفسي ما زال قائماً. الرئيس الأميركي دونالد ترامب استند إلى قرار مجلس الأمن 2817-الذي أُقرّ في 11 آذار بأغلبية 13 صوتاً وامتناع الصين وروسيا- للدفع نحو تشكيل تحالف بحري دولي. القرار يدين " الاعتداءات غير المبررة والمتهورة" لإيران على دول الخليج العربية، ويطالب بوقف "الأعمال التي تستهدف تعطيل التجارة البحرية". ووعد ترامب بأن "مضيق هرمز سيُفتح قريباً—آمناً وحراً"، مستنداً هذه المرة إلى غطاء دولي. أو سيدمر ترامب محطات الطاقة في إيران كما هدد.

عزلة إقليمية… وحلفاء تحت الضغط

إقليمياً، تبدو إيران أكثر عزلة. "حزب الله" يقصف صواريخ إيرانية على إسرائيل ويتلقى ضربات كبيرة منها. والحوثيون ما زالوا ناشطين لكن تحت ضغط كبير لعدم الدخول في المعركة. موسكو وبكين اكتفتا بانتقادات لفظية للضربات الأميركية–الإسرائيلية، وامتنعتا عن التصويت على القرار 2817، لكنهما لم تقدّما دعماً عسكرياً مباشراً ولا مساعدات اقتصادية واسعة تحتاجها طهران بشدّة.

الداخل الإيراني يغلي: اقتصاد منهار واحتقان اجتماعي

داخلياً، قبضة النظام تزداد هشاشة. العقوبات القصوى دمّرت عائدات النفط، رفعت التضخم، وأرهقت الخدمات الأساسية. المناطق ذات الغالبية الشبابية أو الأقليات -البلوش، الأكراد، العرب- تشهد توتراً مستمراً وسط الانهيار الاقتصادي وظروف الحرب، مع تسجيل اشتباكات متقطّعة رغم الانتشار الأمني الكثيف. الاحتجاجات قبل الحرب كانت بالملايين، أما اليوم فالمشهد خليط بين تعبئة وطنية حول ما تبقّى من القيادة، وقمع شديد لأي اعتراض.

نظام قائم بالاسم… ومؤسسات تتداعى تحت الضربات

بعد ثلاثة أسابيع على اغتيال خامنئي، ومع تأكيد مقتل لاريجاني، لا تزال "الجمهورية الإسلامية" قائمة على الورق- دستورها موجود، وشعاراتها مرفوعة. لكن الآلة التي كانت تفرض تلك الشعارات تتفكّك تحت الضغط. الضربات الدقيقة كشفت اعتماد النظام على حفنة من الشخصيات المحورية. ومع غيابهم، لا تكفي الأيديولوجيا لإبقاء الهيكل قائماً.

سواء اتّجهت المرحلة المقبلة نحو تنازلات تفاوضية، أو انقلاب داخل الحرس الثوري، أو مزيد من التفكّك، الاتجاه واضح: إيران لم تعد قوّة تُمسك بزمام المبادرة. إنها تقاتل من أجل البقاء.دفعت عمليات اغتيال علي خامنئي وعلي لاريجاني الجمهورية الإسلامية إلى أشد أزماتها حدةً منذ عام 1979.


 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment