بيار مارون *
ما بدأ، طوال سنوات، مشروعاً يتمدّد مستفيداً من الفراغات العربية والتصدعات الداخلية، يبدو اليوم، للمرة الأولى، مشروعاً منشغلاً بالدفاع عن نفسه. فمنذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، وبعد أسابيع من الضربات المباشرة على طهران ومنشآت النفط والقواعد العسكرية، لم يعد السؤال محصوراً في كيفية بناء الجمهورية الإسلامية لشبكتها الإقليمية، بل أصبح: هل دخل مشروع ولاية الفقيه مرحلة الانكشاف بعد عقود من التمدّد؟.
في أصل هذا المشروع تقف ولاية الفقيه نفسها، لا باعتبارها مفهوماً دينياً فحسب، بل كصيغة حكم تمنح الفقيه سلطة سياسية تتجاوز حدود الدولة الوطنية. ومن هنا لم تنظر الجمهورية الإسلامية إلى الإقليم بوصفه جواراً جغرافياً فقط، بل باعتباره امتداداً طبيعياً لرسالة الثورة. وحين تصبح العقيدة مصدر الشرعية، يغدو التمدّد الخارجي جزءاً من منطق النظام، لا مجرد خيار من خياراته.
وفي صلب هذا المنطق يقف الحرس الثوري، لا كجهاز أمني أو عسكري موازٍ فحسب، بل كعمود فقري فعلي للجمهورية الإسلامية. فمنذ نشأته، لم يقتصر دوره على حماية النظام، بل تمدّد إلى السياسة والاقتصاد وإدارة النفوذ الإقليمي. أما الباسيج، فهو الوجه الداخلي لهذا المشروع: أداة تعبئة وضبط ومراقبة، تحوّل السلطة إلى حضور يومي في المجتمع، وتجعل السيطرة جزءاً من تفاصيل الحياة العامة، لا مجرد وظيفة أمنية طارئة. ومن خلال هذا الدور، أسهم في حماية تماسك النظام في الداخل، حتى في لحظات الاحتجاج والاهتزاز.
وفي لبنان، يبدو حزب الله التعبير الأوضح عن هذا النموذج خارج إيران. فهو ليس نسخة مطابقة للحرس الثوري، لكنه يؤدي وظيفة شبيهة: يجمع بين العقيدة والتنظيم والسلاح والبيئة الاجتماعية والمؤسسات والاقتصاد الموازي. وفي السنوات الأخيرة، اتجهت بنيته إلى مزيد من اللامركزية والمرونة، بما يسمح له بالعمل داخل بيئة لبنانية معقدة لا تتيح السيطرة الكاملة على الدولة. ومن هذا السياق يمكن فهم سرايا المقاومة كأداة تمدد اجتماعي وسياسي أقل كلفة من البنية الحزبية الصلبة.
لكن السؤال اليوم هو: هل يستطيع حزب الله أن يبقى على صورته إذا تغيّر المركز الإيراني أو خضع لشروط واشنطن؟ الحزب بُني على ولاية الفقيه، عقائدياً ومالياً وعسكرياً. فإذا فقد المركز قدرته على الدعم، لا يفقد الحزب الإمكانات فقط، بل يفقد جزءاً من الشرعية التي شكّلت منطقه السياسي والتنظيمي. وهنا يجد نفسه أمام خيار وجودي: إما الاستمرار في منطق وحدة الساحات حتى آخر رمق، وإما الانكفاء نحو لبنانية اضطرارية تفرضها ضرورات البقاء. وإذا حصل الخيار الثاني، فلن يعني ذلك مجرد تراجع في نفوذ الحزب، بل تصدعاً في بنية المشروع كله.
أما اليمن، فيقدّم نموذجاً مختلفاً. فالحوثيون ليسوا صناعة إيرانية خالصة، بل حركة ذات جذور محلية واضحة وأجندة داخلية خاصة. لكن طهران أحسنت الاستثمار في هذه الحركة، ومنحتها دعماً سياسياً وعسكرياً مكّنها من تجاوز وزنها المحلي. وفي المقابل، حصلت إيران على ذراع منخفضة الكلفة وعالية التأثير، قادرة على الضغط في البحر الأحمر وداخل الخليج من دون أن تتحمل هي كلفة المواجهة المباشرة.
وفي هذا المشهد، يستحق النظام السوري موقعاً مختلفاً في التوصيف. فهو لم يكن جزءاً عضوياً من منظومة ولاية الفقيه، ولم يتشكل عقائدياً على صورتها، لكنه كان حليفاً أساسياً لها، ووفّر ممراً استراتيجياً ومجالاً حيوياً لنفوذها، ولا سيما في لبنان. كان تحالف مصالح وبقاء، لا اندماجاً بنيوياً في المشروع. وهذا فارق مهم لفهم طبيعة الشبكة الإيرانية: فهي لا تقوم فقط على الأذرع العقائدية، بل أيضاً على تحالفات وظيفية تخدم المشروع من خارج بنيته الصلبة.
لكن اللحظة الراهنة تضيف عنصراً حاسماً. فبعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي وعدد من قيادات الحرس الثوري، يواجه المشروع أخطر اختبار منذ 1979. ليس لأن النظام سقط، فهو لم يسقط، ومجلس الخبراء اختار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً، بل لأن المركز نفسه بات ساحة الاستنزاف. وطوال عقود قاتلت إيران عبر الأطراف والوكلاء لتُبقي المعركة بعيدة عن قلبها، أما اليوم فهي مضطرة إلى الدفاع عن هذا القلب نفسه. وحين ينتقل الصراع من الهوامش إلى المركز، تتبدل أولويات المشروع من التمدد إلى البقاء.
وتزداد خطورة هذا التحول مع الشروط التي تطرحها واشنطن، لأنها لا تستهدف وقف التصعيد فقط، بل تفكيك أدوات القوة التي بنت عليها طهران نفوذها الإقليمي: من إعادة فتح مضيق هرمز إلى البرنامج النووي ومنظومات الصواريخ والمسيّرات ودعم الأذرع الحليفة. وإذا نُزعت هذه الأدوات، يبرز السؤال الجوهري: هل يستطيع نظام قام على منطق الردع والتمدد أن يبقى على صورته نفسها؟ لذلك، يبدو الأدق القول إن الحرب دشّنت طور الأفول من دون أن تحسمه بعد. فالنظام تضرر بعمق، لكنه لم يسقط، إلا أن المشروع نفسه انتقل من منطق المبادرة إلى هاجس البقاء. وتلك بداية الأفول.
* محلل استراتيجي











03/22/2026 - 09:19 AM





Comments