هل يتغيّر الشرق الأوسط إذا “انتصرت” إيران؟ قراءة واقعية في سيناريو مقلق

03/21/2026 - 20:05 PM

A

 

فرنسوا الجردي

في خضمّ الحرب المفتوحة بين إيران من جهة، ومحور تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يتصاعد في الأوساط السياسية والإعلامية حديثٌ عن احتمال “انتصار إيراني” يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. هذا الطرح، رغم وجاهة القلق الذي يرافقه، يحتاج إلى قراءة باردة، بعيدة عن المبالغة أو التهويل.

أولاً: ماذا يعني “انتصار إيران”؟

الانتصار في الحروب الحديثة لا يُقاس فقط بالسيطرة العسكرية المباشرة، بل بمدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية. بالنسبة لإيران، يتمثل ذلك في تثبيت نفوذها الإقليمي، حماية نظامها الداخلي، وتعزيز دورها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. لكن هذا “الانتصار” - إن حصل - لن يكون على شكل سقوط دول أو تبدّل جذري وفوري للحدود، بل عبر ترسيخ وقائع سياسية وأمنية تدريجية.

ثانياً: حدود القوة الإيرانية

رغم امتلاك إيران أدوات نفوذ قوية عبر حلفائها في عدة دول، إلا أنها تواجه قيوداً كبيرة:

- اقتصاد منهك بالعقوبات

- ضغوط داخلية اجتماعية وسياسية

- توازنات دولية لا تسمح بهيمنة أحادية

بمعنى آخر، لا تستطيع إيران أن “تحكم المنطقة”، بل تستطيع فقط أن تكون لاعباً أساسياً فيها.

ثالثاً: هل تتغيّر الخرائط؟

الحديث عن تغيير خرائط الشرق الأوسط غالباً ما يكون مبالغاً فيه. التجارب التاريخية تُظهر أن الحدود الجغرافية نادراً ما تتغيّر، بينما الذي يتبدّل هو ميزان النفوذ داخل هذه الحدود.

ما قد نشهده هو:

- تعاظم دور المحاور الإقليمية

- تراجع دور الدولة الوطنية في بعض البلدان

- انتقال الصراعات من عسكرية مباشرة إلى أمنية واقتصادية

رابعاً: التحالفات الجديدة… واقع أم وهم؟

أي “انتصار إيراني” لن يمرّ دون ردّ. فدول المنطقة، خاصة الخليجية، لن تقف مكتوفة الأيدي، بل قد تتجه إلى:

- تعزيز تحالفاتها الدفاعية

- بناء توازن ردع جديد

- الانفتاح على قوى دولية أخرى

وهنا يصبح الشرق الأوسط ساحة توازنات متعددة الأقطاب، لا ساحة سيطرة طرف واحد.

خامساً: لبنان نموذجاً حساساً

في لبنان، أي تبدّل في ميزان القوى الإقليمي سينعكس مباشرة على الداخل. فتعاظم نفوذ إيران قد يعزز موقع حلفائها، لكنه في المقابل:

- يزيد الانقسام الداخلي

- يفاقم العزلة الدولية

- يضع الدولة أمام تحديات سيادية أكبر

أي أن “الانتصار” الخارجي قد يتحول إلى مأزق داخلي.

خلاصة: لا انتصار مطلق في الشرق الأوسط

السيناريو الأكثر واقعية ليس “انتصار إيران” بمعناه الحاسم، بل تثبيت توازن جديد تُجبر فيه كل الأطراف على التعايش مع بعضها البعض.

فالمنطقة محكومة بتشابك المصالح الدولية والإقليمية، ما يجعل أي محاولة للهيمنة الكاملة شبه مستحيلة.

الشرق الأوسط لا يُعاد رسمه بخطّ واحد، بل يُعاد تشكيله ببطء، عبر صراعات طويلة، وتسويات أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment