رشيد ج. مينا
كثيرًا ما نسمع العبارة المنسوبة إلى ألبرت أينشتاين: "الجنون هو أن تفعل نفس الشيء مرارًا وتكرارًا وتتوقع نتائج مختلفة."
هذه المقولة تبدو لأول وهلة بديهية، لكنها في العمق ليست قاعدة صالحة للتعميم، ولا تصلح أن تكون مقياسًا عامًا للحياة.
فالفنان مثلًا قد يستخدم الأدوات ذاتها والخامات نفسها في كل مرة، ومع ذلك لا يخرج لنا بالعمل ذاته، بل يُبدع لوحة متمايزة تحمل فرادتها الخاصة.
وكذلك المرأة التي تحمل من الزوج نفسه، وفي الظروف نفسها، لا تُنجب نسخة مكرّرة، بل يأتي كل مولود مختلفًا عن الآخر في الملامح والطباع.
بل حتى الأبناء الذين ينشأون في البيت ذاته، وتحت رعاية أبوين واحدين، وفي ظروف متشابهة من تعليم ورعاية، نجد أن لكل واحد منهم شخصيته، وذكاءه، وميوله، ومساره الخاص في الحياة.
الأمر ذاته ينطبق على الفكر والتغيير: فالأيديولوجيات الكبرى لم تنجح بمجرد نسخها من مجتمع إلى آخر، حتى وإن تشابهت الظروف والمعاناة، لأن النتيجة دائمًا تتوقف على العقل القائد والفكر المحرِّر الذي يدير التجربة.
إذن، تشابه الظروف والمعطيات لا يعني بالضرورة تطابق النتائج. فما يحسم المسار ويصنع الاختلاف هو العقل، والإرادة، وطريقة التفاعل مع تلك الظروف.
قد يكون أينشتاين (أو من نسب إليه العبارة) يقصد مجالًا محددًا أقرب إلى العلم التجريبي أو المنهجية العلمية، حيث التكرار بنفس الخطوات يؤدي بالفعل إلى نفس النتيجة. أي أن المقولة صحيحة في المختبر، لكنها ليست صالحة للتعميم على الحياة والفكر والمجتمع.
إن تكرار الظروف أو الأدوات لا يعني بالضرورة تكرار النتائج، لأن الإنسان ليس آلة ميكانيكية. الفارق يصنعه العقل القائد، والوعي المحرِّر، والقدرة على توجيه الموارد ذاتها نحو آفاق جديدة. من هنا، فالحكمة ليست في رفض التكرار بحد ذاته، بل في وعي من يقود التجربة وكيف يبدع داخلها.











03/21/2026 - 12:24 PM





Comments