سيلفانا سمعان
ماذا لو كانت الحرب لا تنتهي عند خطوط النار، بل داخل بيوتنا وأحيائنا؟
ماذا لو أصبح النزوح الداخلي أداة ضغط؟ أداة تعيد رسم خريطة الدولة وتحدد من يعيش وأين. في لبنان اليوم، كل منزل مهجّر، كل قرية شبه خاوية، وكل مجتمع مضغوط، ليس مجرد مأساة إنسانية، بل جزء من عملية أعقد: إعادة تشكيل صامتة للدولة، حيث تتحوّل تداعيات النزوح إلى واقع يفرض نفسه على المجتمع أكثر من أي جبهة قتال.
الغريب والمخيف أن من يفترض بهم مراقبة الواقع من السياسيين والمسؤولين يظهرون غير منتبهين أو متجاهلين، وربما هناك اتفاق ضمني على عدم التحرك. الصمت يضاعف حجم المخاطر ويجعل المجتمع يعيش في فقاعة هشّة بينما الخطر يتراكم تحت السطح.
الأمر لا يقتصر على النزوح وحده. تغييرات ديموغرافية محتملة، اختلاط النزوح الداخلي مع الانقسامات الطائفية والإيديولوجية، وضغوط النزوح الخارجي، كلها عوامل تتراكم في مجتمع هشّ لتشكل قنبلة اجتماعية مؤجلة. كل هذه العناصر مجتمعّة يمكن أن تتحوّل إلى انفجار غير متوقع، يعكس شدة الحرب نفسها ويضع البلد أمام تهديد طويل الأمد لم يعد بالإمكان تجاهله.
أكثر من مليون لبناني أُجبروا على مغادرة مناطقهم خلال الأشهر الماضية، أي ما يقارب ربع السكان، في واحدة من أوسع موجات النزوح الداخلي منذ عقود. لكن هذا النزوح لا يشبه ما سبقه. بل هو مسار مفتوح يعيد رسم الجغرافيا البشرية للبلد.
الجنوب، الذي كان يوماً مساحة حياة مكتملة، يتحول تدريجياً إلى أرض شبه خالية. قرى تُفرغ بالكامل، بيوت تُقفل على عجل، وأراضٍ تُترك بلا أصحاب. المشهد يتجاوز المأساة الإنسانية ليصبح عملية إعادة توزيع السكان، وربما إعادة رسم البنية المجتمعية للمجتمع.
في الظاهر، تبدو الصورة عسكرية: مواجهة بين إسرائيل وحزب الله، تفوق جوي واستخباراتي من جهة، وقدرة ردع متآكلة من جهة أخرى. لكن في العمق، المعركة تُخاض داخل المجتمع نفسه. كل عائلة تُهجّر، كل وظيفة تُفقد، كل بيت يُقفل، هو جزء من معادلة أكبر تتجاوز قدرة الدولة اللبنانية على السيطرة عليها.
لبنان لم يدخل هذه المرحلة وهو “نظيف” من أزمات النزوح. البلد يستضيف منذ أكثر من عقد ما يقارب مليون ونصف لاجئ سوري، يعيش قسم كبير منهم في ظروف هشّة، ويتشاركون مع اللبنانيين سوق عمل محدود وخدمات منهكة. في البقاع، حيث يتركز عدد كبير منهم، ظهرت مؤشرات واضحة على أن التوتر بين المجتمعات لا يُدار بالمساعدات فقط. المنافسة على العمل، الضغط على السكن، والشعور بعدم العدالة في توزيع الدعم، كلها عوامل أشعلت احتكاكات يومية.
اليوم، ومع عودة النزوح داخل المجتمع اللبناني نفسه، تتكرر الأخطاء ذاتها. يتم التعامل مع الأزمة وكأنها مؤقتة، فيما كل المؤشرات تقول العكس. عندما يُهجّر مئات آلاف الأشخاص من مناطقهم، وتُشل دورة الحياة الاقتصادية في مناطق كاملة، فإن العودة لا تكون تلقائية، ولا سريعة، ولا مضمونة.
السيناريوهات المطروحة ليست مطمئنة. قسم من النازحين قد يعود، ولكن بشروط أمنية صارمة وتحت واقع اقتصادي منهار. قسم آخر سيبقى حيث هو، لتتحول أماكن النزوح إلى واقع دائم. أما السيناريو الأخطر، فهو بقاء مناطق بأكملها شبه فارغة، ما يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية غير معلنة تتحول مع الوقت إلى أمر واقع.
في مثل هذا الواقع، لا يكفي إدارة الأزمة فحسب، بل يجب إعادة تعريفها. النزوح في لبنان لم يعد ملفاً إنسانياً يمكن احتواؤه بالمساعدات، بل أزمة بنيوية تتطلب مقاربة مختلفة تمامًا. ما يغيب اليوم ليس الموارد فقط، بل الإطار: إطار يربط بين إدارة النزوح الداخلي، واستضافة اللاجئين، واستقرار المجتمعات المضيفة ضمن رؤية واحدة. إطار يعترف بأن التماسك الاجتماعي ليس نتيجة تلقائية، بل سياسة يجب بناؤها، ويُدرك أن ترك المجتمعات تتفكك تحت ضغط النزوح بحد ذاته يشكل تهديدًا أمنيًا طويل الأمد.
من دون هذا التحول، ستبقى كل الاستجابات، مهما كبرت، مجرد إدارة مؤقتة لأزمة دائمة. الأبواب الإقليمية شبه مغلقة، وأوروبا بالكاد تدير ملف الهجرة الحالي، وليست في وارد فتح مسارات جديدة. اللبنانيون، في نهاية المطاف، محاصرون داخل وطنهم.
وهنا تكمن المفارقة: بلد كان يُعرّف لعقود بأنه “مضيف للاجئين”، يجد نفسه اليوم ينتج النزوح داخلياً، دون أن يمتلك الأدوات لإدارته. النزوح لم يعد حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من بنية الأزمة اللبنانية.
السؤال لم يعد متى تنتهي الحرب، بل ماذا سيبقى بعدها: هل ستستعيد البيوت أهلها، أم تصبح مجرد ذاكرة جماعية لا تُستعاد؟ هل تبقى المجتمعات كما هي، أم يعيد النزوح تشكيلها بطريقة لا رجعة فيها؟
في لبنان، الحروب لا تنتهي فقط بوقف إطلاق النار، بل عندما يعود الناس. وهذه المرة، لا شيء يضمن عودتهم.











03/21/2026 - 12:18 PM





Comments