بيروت - تحقيق من اعداد جورج ديب
تعيش الضاحية الجنوبية لبيروت منذ ساعات توتراً غير مسبوق بعد سلسلة غارات جوية إسرائيلية استهدفت أحياء مكتظة بالسكان، أبرزها الغبيري وبرج البراجنة ومنطقة الكفاءات. المشاهد الأولى التي خرجت من الميدان، حرائق مشتعلة، مبانٍ متضررة، وفرق إسعاف تعمل وسط دخان كثيف—تعكس حجم الصدمة التي أصابت السكان، وتعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: إلى أين يتجه المشهد اللبناني في ظل غياب أي مؤشرات تهدئة؟
بحسب شهادات ميدانية ولقطات فيديو متداولة، جاءت الضربات مركّزة على مناطق سكنية متداخلة مع شوارع تجارية وحيوية. الجيش الإسرائيلي أعلن أنه استهدف مواقع قال إنها تابعة لحزب الله، فيما أصدرت قواته أوامر إخلاء لسبعة أحياء في الضاحية، ما أثار حالة من الهلع بين الأهالي الذين وجدوا أنفسهم أمام مشهد غير مألوف منذ سنوات.
على خط موازٍ، يشهد جنوب لبنان تصعيداً ميدانياً متسارعاً. اشتباكات متقطعة وقصف متبادل على محاور الخيام والناقورة وبنت جبيل والطيبة، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى وتضرر منازل وبنى تحتية. استخدام الطائرات المسيّرة والقذائف المدفعية والصواريخ القصيرة المدى بات جزءاً من المشهد اليومي، ما دفع عدداً من العائلات إلى النزوح نحو مناطق أكثر أمناً.
هذا النزوح المفاجئ وضع المستشفيات والمراكز الطبية في القرى المجاورة أمام ضغط متزايد، خصوصاً مع محدودية الموارد الطبية في بعض المناطق الحدودية.
المشهد الإنساني يتطور بسرعة. مراكز الإيواء في الضاحية والجنوب بدأت تستقبل أعداداً متزايدة من العائلات، فيما تشير تقارير ميدانية إلى نقص في الإمدادات الطبية والغذائية في بعض النقاط. منظمات إنسانية محلية ودولية دعت إلى فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يخلق موجة نزوح داخلي واسعة يصعب احتواؤها.
كما عبّرت جهات مدنية عن خشيتها من تعرض البنية التحتية الحيوية—الكهرباء، المياه، الطرق—لأضرار قد تعيق عمليات الإغاثة وتزيد من هشاشة الوضع الإنساني.
الجيش اللبناني يُعدّ أحد الأطراف المحلية الأساسية في هذا السياق، إذ يُنتظر منه القيام بعدة مهام عاجلة تشمل حماية المدنيين وتأمين الممرات الإنسانية، وتنسيق عمليات الإغاثة مع البلديات والمنظمات المحلية، والعمل على منع توسع المواجهات داخل المناطق المأهولة. كما يقع على عاتق الجيش واجب توثيق الأضرار الميدانية وتقديم تقارير رسمية عن الخسائر البشرية والمادية إلى الجهات المختصة، بما يسهم في رسم صورة دقيقة عن حجم الأزمة وتسهيل وصول المساعدات. وفي الوقت نفسه، يواجه الجيش اللبناني تحديات لوجستية وسياسية في إدارة الوضع على الأرض، خصوصاً في مناطق تشهد تداخلاً بين الأحياء السكنية ومواقع يُزعم أنها أهداف عسكرية، ما يتطلب منه موازنة بين واجب حماية المدنيين والحفاظ على الأمن العام.
قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) تلعب دوراً مكملاً في الساحة، يتمثل أساساً في مراقبة خطوط التهدئة، حفظ الاستقرار النسبي على طول الحدود، وتسهيل قنوات الاتصال بين الأطراف. كما تُعنى اليونيفيل بتقديم تقارير ميدانية عن الحوادث التي قد تهدد وقف الأعمال العدائية، والعمل مع الجهات الإنسانية لتأمين ممرات آمنة وإيصال المساعدات إلى المتضررين حيثما أمكن. ومع تصاعد الأعمال القتالية، تتزايد الحاجة إلى تعزيز وجود اليونيفيل وتوسيع صلاحيات التنسيق الإنساني، لكن ذلك مرتبط بقدراتها الميدانية والقيود السياسية واللوجستية التي تواجهها في بيئة متوترة.
المشهد الإنساني يتطلب تنسيقاً فورياً بين الجيش اللبناني واليونيفيل والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية لتأمين احتياجات النازحين والمصابين، وإعادة فتح طرق الإمداد وتأمين مراكز إيواء مؤقتة. كما أن توثيق الأضرار عبر آليات مشتركة — تشمل تقارير طبية رسمية، سجلات المستشفيات، وصور قبل/بعد، وفحص بيانات الفيديو المتداول — ضروري لتقديم تقييم مستقل وموثوق عن الخسائر وتحديد المسؤوليات.
بين غارات الضاحية وتصعيد الجنوب، يقف لبنان أمام مرحلة حساسة تتطلب تنسيقاً عاجلاً بين الجيش اللبناني واليونيفيل والمنظمات الإنسانية، إلى جانب تحقيق مستقل يضع الحقائق أمام الرأي العام. وفي ظل غياب التهدئة، تبقى الصورة الميدانية متحركة، فيما يواصل مراسلو بيروت تايمز متابعة التطورات لحظة بلحظة، سعياً إلى تقديم رواية دقيقة وموثوقة تحفظ حق المدنيين في معرفة الحقيقة.













03/21/2026 - 08:28 AM





Comments