عادل صوما
"إن الحكم إلا لله" آية وردت في سورة الأنعام 57، وتكررت في يوسف 40 و67، وتؤكد أن التشريع الأخلاقي، والفصل في الحق، والقضاء النهائي هو حق خالص لله وحده، وتعني عقائدياً الأمر بالعبادة له وحده، والرجوع إلي أحكامه عند كل اختلاف.
البذرة السياسية
بعيداً عن التسويق المقدس لفكرة "الحاكمية لله" سياسياً، وكما يظهر من سياق الإسلام الإسلامي، كان رفع المصاحف في معركة صِفِّين، بداية فكرة "الحاكمية لله"، التي لا علاقة واضحة سياسية لها في النص أعلاه، فرفع المصاحف في صِفّّين كان مجرد خدعة عسكرية أشار بها الداهية عمرو بن العاص على جيش معاوية بن أبي سفيان، عندما أوشكوا على الهزيمة أمام جيش علي بن أبي طالب، وتم رفع المصاحف على أسنّة الرماح للمطالبة بوقف القتال والاحتكام إلى القرآن، الذي لا توجد به آية واحدة صريحة يمكن أن تؤيد أحد الطرفين في مسألة القصاص من قتلة الخليفة عثمان بن عفان.
هكذا انشق الإسلام، ولم يزل الاحتكام إلى الله أو "الحاكمية لله" في المسائل السياسية والعسكرية يجلب الويلات حتى اليوم.
أصل الفكرة
حسب سياق التاريخ، رفع المصاحف طوره المسلمون/الشيعة لاحقاً لفكرة "الحاكمية لله"، من فكرة زرادشتية، فالفكر السياسي والديني في الزرادشتية يعتُبر الملك أو الحاكم نائباً أو ممثلاً للإله أهورامزدا على الأرض، ويستمد شرعيته وسلطته مباشرة من الإله ليكون منفِّذ العدالة والخير والنظام، ويظهر ذلك في النقوش الساسانية التي تصور الإله يقلِّد الملك طوق السيادة.
هكذا تغيرت حسب فكرة "حاكمية الله" لاحقاً ألقاب الخلفاء من خليفة رسول الله، والفاروق، وكرّم الله وجهه، وذو النورين، إلى القاهر بالله والمعتصم بالله والمستكفي بالله والحاكم بأمر الله.. إلخ. إلخ.. لأنهم يحكمون باسم الله.
الحاكم لا الشعب
"الحاكمية لله" تصب في مصلحة الحاكم مباشرة وليس في مصلحة الشعب، لإنها تعطي الحاكم كامل الصلاحية، وتؤمن عدم الخروج عليه إلاّ إذا لم يُنفذ شرع الله، وتعطي كل الصلاحيات له بدءاً من توزيع المغانم والسبايا والوظائف حتى الإعدام، وتُفسر أيضاً لصالح الحاكم دائماً وفي كل الظروف، فدولة الخوميني تعتبر أن الخروج على الولي الفقيه ولو بالنقد أو الكاريكاتير أو اتهامه بالفساد هو شن حرب ضد الله.
هناك ظاهرة مثيرة وُجدت مع "الحاكمية لله" عند الحاكم المؤمن بها في عصر ظهور الدولة، فقد أسس هذا الحاكم حرساً أو ميلشيا حكومية بلغة العصر لتحميه موازية للجيش النظامي، بدءاً من الإرهاصة الأولى عند عبد الناصر، المؤمن بالعروبية/الإسلامية وليس العروبية ذات الأطياف المختلفة، بتكوين "الحرس الجمهوري" المسلّح بالدبابات والمدرعات والأسلحة الثقيلة، في موازاة الجيش الوطني المُفترض أن يحميه، لأن عبد الناصر تعلّم من انقلابه على الملك فاروق الأول أن الجيش قد لا يحميه!
وأقرب أمثلة لميلشيات "حاكمية الله" في النصف قرن الفائت هي تكوين الباسيج والحرس الثوري في إيران لحماية دولة الخوميني ونظامه، فالجيش الإيراني موجود أساسا للدفاع عن البلد وحاكمها، ولا حاجة لمؤسسات أخرى، لكن روح الله الخوميني أوصى بإنشاء "جيش من عشرين مليون رجل" لحماية الثورة ونظامها السياسي والديني، فتأسست هذه المنظمات الأمنية من مؤيديه المخلصين ولحماية حكمه.
ولم يزل السودان يعاني من فظائع قوات الدعم السريع، التي أسسها الرئيس السابق عمر البشير المؤمن بحاكمية الله لحمايته.
وكان رئيس مصر السابق محمد مرسى المؤمن بحاكمية الله على وشك تكوين ما يشبه الحرس الثوري في مصر، بعد دعوته لزيارة عناصر إيرانية من الحرس الثوري لمصر، لتكوين ما يشبه الحرس الثوري الإيراني، لكن الجيش عزله قبل البدء في تكوين حرسه.
النظام أو الطوفان
لأن فكرة "الحاكمية لله" تخدم الحاكم وجماعته فقط، ولا يستفيد المواطنون منها، رأينا علي خامنئي يوصي بالحريق الكبير في دولته ودول الجوار عقاباً للجميع على بداية سقوط حاكميته إن آجلا أو عاجلا، وسار على طريق انتحار الحاكمية نفسها ابنه مجتبى، فلا تفاوض أو توازنات.
أينما حلت "حاكمية الله" سياسياً صاحبها الفشل وزرعت الويلات والخراب والانقسامات، بدءاً من رفع المصاحف حتى عصر المُسيرات، والمثير أن مروجيها ينسبونها للقرآن، ومن ثمة يصعُب على المسلم غير القارئ والمستمع الأبدي إلى مشايخه أن يفهم ما ورد في التاريخ وتسلسل هذه الفكرة، حيث لا شيء يأتي من فراغ.











03/20/2026 - 11:37 AM





Comments