العِيدُ فُرْصَةٌ لِلتَّوَقُّفِ وَالتَّأَمُّلِ، وَلِإِعَادَةِ تَنْظِيمِ الْفِكْرِ وَتَنْقِيَتِهِ مِنْ رَوَاسِبِ الْمَاضِي. فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَحْتَفِلُ بِأَعْيَادِهَا بِإِحْيَاءِ مَا جَرَى فِي الْمَاضِي، يَبْقَى الْحَاضِرُ مُتَّصِلًا بِأَحْدَاثِ الْمَاضِي وَنَاسِهِ، لَكِنَّ الْحَاضِرَ لَيْسَ نُسْخَةً عَنِ الْمَاضِي؛ فَهُوَ ابْنُ الْيَوْمِ وَظُرُوفِهِ، وَتَأثِيرَاتُهُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ وَالنَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا.

التَّعَاطِي مَعَ الأَعْيَادِ الزَّمَنِيَّةِ يَخْتَلِفُ عَنْ عَيْشِ الأَعْيَادِ الدِّينِيَّةِ. فِي الأَعْيَادِ الزَّمَنِيَّةِ، مِثْلَ عِيدِ الاسْتِقْلَالِ، يُدْفَعُ الْمُعِيدُونَ إِلَى حِمَايَتِهِمْ وَتَطْوِيرِهِمْ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَيُتَجَدَّدُ الْحَدَثُ الْمَاضِي فِي الْحَاضِرِ، وَيَهْدِفُ أَبْنَاءُ الْمُجْتَمَعِ إِلَى الْحِفَاظِ عَلَى هَذَا الْإِنْجَازِ وَصِيَانَتِهِ.

أَمَّا الْاِحْتِفَالُ بِالأَعْيَادِ الدِّينِيَّةِ فَيَرْجُو عَيْشَ الْقِيَمِ الرُّوحِيَّةِ: الْعِلْمِ، الصِّدْقِ، الْمَحَبَّةِ، وَالسَّلَامِ، وَتَفْعِيلِهَا بَيْنَ أَبْنَاءِ الْوَطَنِ وَنَشْرِ رِسَالَتِهَا السَّامِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ.

وَالْجَمِيلُ فِي الْأَمْرِ أَنَّ الأَعْيَادَ الزَّمَنِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ لَهَا قَوَاسِمُ مُشْتَرَكَة؛ تَتَلَاقَى فِي أَهْدَافِهَا وَتَتَبَاعَدُ فِي أُخْرَى. تَتَلَاقَى بِأَنَّهَا حَدَثٌ حَقِيقِيٌّ حَصَلَ وَلَهُ تَأَثُّرَاتٌ فِي الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَتَبْتَعِدُ فِي عُمْقِ رِسَالَتِهَا الرُّوحِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ.

فَالعِيدُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تِكْرَارٍ لِلذَّاكِرَةِ، بَلْ هُوَ إِشْرَاقٌ لِلْحَاضِرِ وَاسْتِعْدَادٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فُرْصَةٌ لِيَشْرُقَ الْفِكْرُ بِنُورٍ جَدِيدٍ وَيَتَحَرَّرَ مِنْ قِيُودِ الْأَمْسِ. الحَدَثُ التَّارِيخِيُّ يَبْقَى ابْنًا لِلْمَاضِي، وَالْحَدَثُ الرُّوحِيُّ يَبْدَأُ فِي الْمَاضِي وَيَسْتَمِرُّ فِي الْحَاضِرِ وَيُؤَثِّرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

وَالْجَمِيلُ أَنَّ كُلَّ احْتِفَالٍ بِالْعِيدِ، زَمَنِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ: هَدَفُهُ الإِنْسَانِ، لِتَصْحِيحِ مَا تَشَوَّهَتْ بِهِ صُورَتُهُ وَأَفْقَدَتْهُ الْمَصَاعِبُ وَالْحُرُوبُ الْمِثَالَ.

عِيدُ فِطْرٍ مُبَارَكٌ بِالخَيْرِ وَالسَّلَامِ وَالنَّجَاحِ.

 

خَربشاتُ طِفلٍ – بِقَلَم الإبن الضَّالِّ إذا تابَ.