سيلفانا سمعان
في الأشهر الأخيرة، عاد الحديث بقوة في الشرق الأوسط عن اتفاقيات السلام والوساطات الدبلوماسية. وسط الحرب المستمرة والتوترات المتصاعدة، تتكرر الأسئلة: هل يمكن للوساطة كسر دورة العنف؟ وهل يكفي توقيع اتفاق سلام لطي صفحة حرب طويلة؟ يرى البعض في أي حديث عن السلام خطوة ضرورية للشفاء أو للحد من النزيف، بينما يعتبره آخرون تنازلاً سياسيًا أو خيانة، وقد يصفه بعضهم بالعمالة. لكن الواقع أعمق: كيف يمكن لمجتمعات محملة بجراح الحرب أن تصدق بوعد السلام، وهل يمكن لأي اتفاق سياسي أن يغير الواقع النفسي للمجتمع؟
التجربة الدولية تظهر أن توقيع الاتفاق ليس نهاية، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا. السلام السياسي وحده لا يكفي، هناك المفاوض غير المرئي: الذاكرة الجماعية للحرب. الأفراد الذين عاشوا العنف، النزوح، فقدان الأقارب، القصف، أو سنوات من عدم الاستقرار، لا يدخلون السلام بذاكرة فارغة. يحملون خوفًا وانعدام ثقة بالآخرين وبالمؤسسات، وتظل الجراح القديمة حية. هل يمكن للسلام أن ينجح إذا بقيت هذه الذاكرة دون معالجة؟
تجارب الدول تثبت أن التعامل مع البعد النفسي والاجتماعي حاسم لاستدامة السلام. في رواندا، بعد المجزرة التي أودت بحياة نحو 800 ألف شخص في 1994، أتاح نظام محاكم Gacaca مواجهة الضحايا والجناة علنًا، ما خلق مساحة للتصالح المجتمعي. من هنا نستنتج أن المجتمعات التي تواجه ماضيها بصدق تمتلك فرصة أكبر لإعادة بناء الثقة والعدالة، بينما تجاهل الذاكرة يترك التوترات كامنة تحت السطح.
في الشرق الأوسط، آثار الحروب السابقة ما زالت حاضرة. في العراق أعادت الحروب الطائفية تشكيل الهويات والولاءات، وفي سوريا خلّفت سنوات النزاع ملايين النازحين وجروحًا نفسية عميقة، أما غزة فقد خلق تكرار الحروب شعورًا دائمًا بعدم الأمان، وفي لبنان لا تزال الذاكرة الجماعية للنزاع حاضرة في السياسة والمجتمع. السلام هنا لا يكتمل باتفاقيات سياسية فقط، فالجروح النفسية والاجتماعية لا يمكن تجاهلها.
عامل آخر يضعف أي عملية سلام: غياب النساء عن طاولات التفاوض. رغم تحمّلهن العبء الأكبر من إدارة الحياة اليومية إلى فقدان أفراد العائلة ومواجهة النزوح، فإن تمثيلهن الرسمي غالبًا محدود. هذا الاستبعاد يضعف السلام نفسه، إذ تركز المفاوضات على الأمن وتقاسم السلطة، بينما تبقى قضايا العدالة والتعليم والصحة وإعادة بناء المجتمعات مهملة. هل يمكن للسلام أن يصمد إذا بقيت أصوات نصف المجتمع مهمشة؟
الخبرة الدولية تظهر أن مشاركة المجتمع بأكمله، بما في ذلك النساء، تعزز فرص الصمود. السلام ليس توقيعًا بين دول، بل عملية طويلة لإعادة بناء الثقة والعلاقات بين الناس. لتحقيق ذلك، يجب أن تترافق الاتفاقيات مع برامج المصالحة، الدعم النفسي، التعليم، الإعلام، وإعادة بناء الثقة بين المكونات المجتمعية. السياق المحلي والدولي حاسم أيضًا، فالدولة التي تمتلك مؤسسات قوية وحكمًا مستقيمًا وآليات محاسبة المسؤولين لديها فرصة أكبر للنجاح مقارنة بالدولة الضعيفة والمؤسساتية المهترئة.
اليوم، ومع استمرار النزاعات، قد تظهر اتفاقيات سلام جديدة. لكن السؤال الحقيقي ليس فقط ما إذا كانت ستُوقَّع، بل ما إذا كانت ستصمد أمام الواقع النفسي والاجتماعي للمجتمعات. كيف يتحقق السلام إذا ظلّت ذاكرة الحرب حيّة؟ وهل يكفي التوقيع الرسمي لتغيير حياة ملايين الناس، أم يجب أن يكون المجتمع شريكًا نشطًا في صناعته؟ السلام لا يُكتب على ورق، بل يُبنى بشجاعة المجتمعات نفسها.











03/20/2026 - 07:08 AM





Comments