بركات شاهين
المرأة السورية ليست مجرد نصف المجتمع كما يقال، بل هي العمود الذي يستند إليه البيت، والروح التي تحفظ تماسك الأسرة، والقوة التي تنقل القيم من جيل إلى جيل. فمنذ عقود طويلة وهي تحمل أعباء الحياة اليومية دون ضجيج: تربي الأبناء، وتدير شؤون البيت، وتعمل في الحقل أو الوظيفة، وتشارك الرجل مسؤولية الحياة.
في الريف السوري، اعتادت المرأة أن تبدأ يومها قبل الجميع. تحمل طفلها بيد، وتعمل باليد الأخرى. تطبخ وترضع، ثم تتجه إلى الحقل وجنينها على ظهرها. تحصد وتسقي وتقطف وتحتطب، ثم تعود إلى بيتها لتكمل دورها في رعاية الأسرة، وكأن يومها لا يعرف التعب.
أتذكر أمي، التي ربّت عشرة أبناء في قرية بسيطة بإمكانات محدودة. كنا نُعدّ من نخبة القرية، لا لأننا كنا نملك ما يملكه غيرنا، بل لأن أمنا كانت أول من يستيقظ صباحاً وآخر من ينام ليلاً. وعلى الرغم من أنها لم تتعلم القراءة والكتابة، فإنها كانت أكثر حرصاً على تعليمنا من كثير من المتعلمين. كانت تشعل مصباح الكاز في ليالي الشتاء، وتوقد نار التدفئة، وتجلس قربنا تتابع واجباتنا المدرسية. بل وكانت تقف أحياناً عند نافذة الصف لتسأل المعلمين عن مستوانا وسلوكنا، ثم تعود إلى البيت لتختبرنا في ما حفظناه من دروس وأناشيد.
وعندما اجتاح الجفاف قريتنا يوماً، وانحبست الأمطار، وبدأت المؤونة تنفد حتى أصبح البذار نفسه مهدداً بأن يؤكل، كانت أمي تقود إدارة البيت بحكمة نادرة. وكأنها خبيرة اقتصاد تدير أزمة معقدة بموارد محدودة. بفضل تدبيرها وصبرها و صرامتها استطاعت أن تكفينا المؤونة لعام كامل.
لم تكن أمي حالة استثنائية، بل كانت صورة صادقة لنساء الريف السوري. كما أن المرأة في المدينة لم تكن أقل عطاءً أو كفاءة. فالمرأة السورية في كل مكان كانت شريكة حقيقية في العمل والبناء وتحمل المسؤولية.
ومع اندلاع الأحداث العاصفة التي مرت بها سورية في السنوات الأخيرة، وجدت المرأة نفسها مرة أخرى في الصفوف الأولى من معركة البقاء. تحملت مسؤوليات مضاعفة؛ رعت الأطفال، وساندت كبار السن، وعملت لتعيل أسرتها، وصمدت في وجه الفقد والخوف والنزوح.
وعند اندلاع الثورة السورية، كانت المرأة في الصفوف الأولى، وقدّمت تضحيات لا تقل عن الرجال، وشكّلت النساء 23٪ من المعتقلين في سجون الأسد.
ورغم كل ذلك، ما زالت هناك أصوات تحاول تقزيم دور المرأة أو حصرها في أدوار ضيقة و هامشية ،
لكن التجارب الكبرى في العالم تعلمنا درساً واضحاً: لا تنهض الأمم إلا حين تتحرك طاقات نسائها جنباً إلى جنب مع طاقات رجالها.
بعد الحرب العالمية الثانية، كانت ألمانيا بلداً مدمراً، ومدناً مهدمة، واقتصاداً منهكاً. كان كثير من الرجال قد عادوا من الحرب مثقلين بالجراح أو لم يعودوا أصلاً. يومها وقفت المرأة الألمانية في الصف الأول لإعادة بناء بلدها؛ عملت في المصانع، وشاركت في تنظيف المدن من الركام، وشقت الطرقات، وبنت البيوت، وأسهمت في إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد.
وسورية اليوم تقف أمام تحدٍ تاريخي مشابه. مدن تحتاج إلى إعادة بناء، واقتصاد يحتاج إلى نهوض، ومجتمع يحتاج إلى ترميم ما أصابه من جراح. وفي ظل هجرة الملايين وغياب عدد كبير من الرجال، أصبحت المرأة السورية أكثر حضوراً في مواجهة هذا التحدي.
لذلك فإن إعادة إعمار سورية لن تكون ممكنة إذا بقيت المرأة خارج دائرة الفعل والمشاركة. فنهضة الوطن تحتاج إلى علمها، وإلى خبرتها، وإلى صبرها، وإلى إرادتها التي أثبتت عبر السنين أنها قادرة على تحويل الألم إلى قوة، والأزمات إلى فرص للحياة.
إن تمكين المرأة السورية ليس شعاراً سياسياً ولا مطلباً نخبوياً، بل هو شرط أساسي لبناء مستقبل مستقر ومزدهر.
فلتحيا المرأة السورية… صانعة الأجيال، وحارسة القيم، وبانية الغد











03/19/2026 - 17:55 PM





Comments