الأزمة ليست فقط في الحكم… بل في الثقة أيضاً

03/19/2026 - 17:04 PM

Arab American Target

 

بيار مارون *

اعترض صديق يقرأ مقالاتي على قولي إن فقدان الثقة بالرئاسة والحكومة أخطر من أزمة الحكم نفسها. واعتبر في ذلك ظلماً لهما، لأنهما ورثتا بلداً منهاراً اقتصادياً ومالياً وأمنياً، وتحاولان، ضمن الممكن، إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

هذا الاعتراض مفهوم، لكنه لا يغيّر جوهر المشكلة.

صحيح أن السلطة الحالية ورثت وضعاً كارثياً، لكن الأزمة اليوم لا تقتصر على العجز عن الحكم، بل تمتد إلى فقدان الصدقية. وهذا، في هذه اللحظة بالذات، أخطر من العجز نفسه.

في مراحل سابقة، ورثت السلطات أيضاً أزمات كبيرة. رفيق الحريري ورث فساداً واختلالات عميقة، لكنه لم يرث دولة منهارة كلياً، وكان يحظى بدعم عربي ودولي واسع. وفي عهد الرئيس فؤاد السنيورة، بقيت الدولة اللبنانية، رغم كل الأزمات، تُعامل خارجياً كدولة لكل لبنان. وكان هناك، في نظر الخارج، فارق نسبي واضح بين الدولة وبين حزب الله، الذي كان يُنظر إليه، ولو بخلاف، على أنه «مقاومة» للاحتلال الإسرائيلي.

لكن هذا الخط الفاصل بدأ يتلاشى تدريجياً بعد خروج الجيش السوري من لبنان، ومع دخول حزب الله إلى الحكومات المتعاقبة التي تبنّت مقولة «جيش وشعب ومقاومة». ومنذ ذلك الحين، لم يعد الخارج، وخصوصاً الولايات المتحدة، يرى السلطة اللبنانية منفصلة بوضوح عن الحزب. وهنا تبدّل شكل التعاطي الدولي مع لبنان، لأن صورة الدولة نفسها لم تعد واضحة كما كانت.

في هذا السياق، أستحضر جواب قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال زيارته واشنطن الشهر الماضي، حين سأله السناتور الأميركي ليندسي غراهام مباشرة: «هل تعتبر الدولة اللبنانية حزب الله تنظيماً إرهابياً؟». فأجاب هيكل بصراحة: «في السياق اللبناني، لا». لم يكن الجواب مرضياً للسناتور، ولا لكثيرين في لبنان، ولم يعجبني شخصياً، لكنني احترمته. لأن الصراحة والواقعية في مخاطبة الخارج، وخصوصاً الأميركيين، تبقيان أثقل وزناً من أي مجاملة.

مأخذي على الرئاسة والحكومة الحاليتين ليس أنهما لم تتخذا مواقف وطنية. بالعكس تماماً. حذف معادلة «جيش وشعب ومقاومة»، ورفض اعتبار حزب الله مقاومة، والمطالبة باعتقال المسلحين الخارجين على الدولة، والسعي الجاد إلى بناء المؤسسات… كلها مواقف جريئة تُحسب لهما. لكن المشكلة بدأت حين اقترنت هذه المواقف بوعود تنفيذية تعرف السلطة نفسها أنها لا تملك القدرة على تحقيقها وحدها.

هنا وقع الخلل الحقيقي.

كان يُفترض أن تقول السلطة الحقيقة كاملة: «هذا قرارنا السياسي، وهذه إرادتنا الوطنية، وهذه أهدافنا… لكننا لا نملك وحدنا أدوات التنفيذ». وكان يُفترض، بالتوازي، أن تطلب دعماً مباشراً وواضحاً من جامعة الدول العربية ومن مجلس الأمن، لوضعهما أمام مسؤولياتهما في مساعدة الدولة على تنفيذ قراراتها.

لو فعلت ذلك، لحافظت على صدقيتها، ولكسبت احترام الخارج، بدلاً من أن تبدو كمن يعد بما لا يستطيع الوفاء به. وهذا ما حصل أيضاً بعد تفاهم تشرين الأول 2024، حين جُزم بأن سحب سلاح حزب الله سيتم… ثم لم يحصل شيء.

إلى ذلك، لا يمكن إعفاء الولايات المتحدة من جزء من المسؤولية. فواشنطن غضّت النظر طويلاً عن وضع حزب الله الشاذ، ضمن حسابات إقليمية معقّدة امتدت من العراق إلى سوريا، وصولاً إلى توازنات النفوذ الإيراني والضغط على دول الخليج. لكن هذه المرحلة انتهت.

بعد عملية حماس في 7 تشرين الأول 2023، وبعد حرب الإسناد التي خاضها حزب الله، ثم مع اتساع المواجهة مع إيران، تبدّل المشهد كلياً. لم يعد ممكناً لواشنطن أن تتسامح مع ما كانت تتسامح معه سابقاً. وما كان يُحتمل بالأمس صار اليوم خطراً مباشراً.

لهذا السبب تحديداً، لم يعد ممكناً للسلطة اللبنانية أن تتصرف بعقلية الأمس، ولا أن تعد كأن شيئاً لم يتغيّر.

الوعد من دون قدرة فعلية على التنفيذ يبدّد الثقة، حتى حين تكون النيات سليمة. وهذا ما أصاب السلطة اليوم: ليس فقط ثقل الأزمة، بل تآكل الصدقية في لحظة لم يعد فيها الخارج ولا الداخل يتسامحان مع الوعود الفارغة.

 

* محلل استراتيجي

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment