كنا صغارًا… لكن أحلامنا كبار

03/19/2026 - 08:13 AM

A

 

 

رشيد ج. مينا

كنا صغارًا، لكن أحلامنا كانت أكبر من أعمارنا. لم يكن حلمنا دراجة أو كرة أو سيارة صغيرة، بل كانت بندقية. لم تكن هذه الأحلام غريبة على أطفال جيل داهمته الحروب، فاختلطت فيها الأهداف والغايات، وامتزج الخيال بالواقع، والمنطق باللا منطق، والمناطقي بالمذهبي، والوطني بالقومي والأممي.

كان جيلًا لم يتجاوز الرابعة عشرة من العمر، لكنه حُمِّل البندقية وهو لا يدرك حقيقة ما يجري. لم يحلم ببراءة الطفولة، بل صودرت أحلامه وحُوِّلت إلى رصاص ضائع. نشأ على وقع أصوات الثورة، وأخبار فلسطين، والهتاف ضد الاستعمار والصهيونية والظلم والطغيان.

عاش جيلنا زمن الناصرية والبعث والماركسية، وتأثر بخطابات عبد الناصر ومشروعه العربي في التحرر والعدالة الاجتماعية والمساواة، وبأحلام الوحدة العربية، وبالثورات في الجزائر وليبيا وسوريا والعراق، وبصوت المقاومة في فلسطين ولبنان. امتلأنا حماسة، وظننا أن الحرية قريبة وأن الوحدة على الأبواب، وأن الديمقراطية قاب قوسين أو أدنى.

لكن العمر كبر، ومعه كبرت الخيبة. أدركنا أن ما ظننّاه واقعًا لم يكن سوى وهم كبير. اكتشفنا أن الأنظمة التي حملت شعارات التحرر والعدالة والوحدة لم تُبنَ فيها مؤسسات، ولم تُمارَس فيها ديمقراطية، بل تحولت إلى زعامات فردية تحكمها الأجهزة الأمنية وتستنزف باسم الشعب الذي ادّعت الدفاع عنه.

لم يكن ذلك سوى سراب. الأنظمة التقدمي منها والرجعي على السواء لم تبنِ مؤسسات، ولا أرست حريات، ولا أفسحت مجالًا لممارسة ديمقراطية حقيقية. تحوّلت إلى زعامات فردية، يحميها الأمن من شعوبها بدل أن يحمي الشعوب من الأخطار. صدام حسين انتهى شهيدًا، وكذلك معمر القذافي، أحمد بن بلة رحل رمزًا، ياسر عرفات اغتيل، وجمال عبد الناصر بقي حاضرًا رغم الغياب... أما حافظ الأسد فكرّس نموذج الزعامة الفردية الفاشية القائمة على الأجهزة الأمنية والتوريث، لا على التحرر والوحدة،لم تسلم منه لا سوريا ولا لبنان.

تعمّق الانهيار مع صعود السيطرة الأميركية المباشرة على المنطقة، واختراقها العميق لمؤسسات القرار العربي، بالتوازي مع تمدد النفوذ الإيراني وأفكاره، والتوحش الصهيوني التوسّعي الذي استباح الأرض والإنسان. ولولا هذا التواطؤ الخارجي والداخلي لما انهارت بهذه السهولة أنظمة كانت ترفع شعار المقاومة أو التحرر، ولما سقط هذا العدد الكبير من الشهداء في لبنان وسوريا واليمن وفلسطين.

جيل الأحلام الضائعة… وبذور المستقبل الممكن

تهاوت الأحلام، وسقط الشهداء والضحايا في لبنان وسوريا واليمن وفلسطين، وانكشفت زيف الشعارات التقدمية والرجعية على السواء.

اليوم، وبعد أن شاب ذلك الجيل الذي كبُر على وقع البندقية والانكسارات، ماذا سيقول للأجيال الجديدة؟ ماذا سيورثها من تجارب وأفكار؟ هل يسلّمها إرث الأوهام نفسها، أم يفتح أمامها أفقًا جديدًا؟

إن رسالتنا للأبناء واضحة:

ارفعوا الرؤوس والرايات، وخذوا من الماضي الدروس والعبر. لا تكرروا أوهامنا، بل ابنوا أحلامًا واقعية، وطنية وعربية، تقوم على أسس متينة:

الوحدة الوطنية فوق كل الانقسامات.

بناء دولة المؤسسات القائمة على المواطنة والحقوق والواجبات.

تحقيق الحريات العامة والديمقراطية كأداة للتغيير، لا كشعار فارغ.

تحرير لقمة العيش وصون الكرامة الإنسانية، لتكون الانتخابات مرآة لإرادة الشعب لا ساحة للمحاصصة.

جيل جديد بفكر علمي متقدم، يسمع ويرى ويحلل، هو وحده القادر على بناء مجتمع مقاوم بالانتماء الوطني والعربي، يصنع حاضرًا قويًا ومستقبلًا مشرقًا، على أسس الواقع لا الأوهام.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment