طرابلس بين صورتين... ودور غائب في القرار الوطني

03/18/2026 - 13:56 PM

Arab American Target

 

 

رشيد ج. مينا

طرابلس مدينة لا تشبه غيرها. فكل من يزورها يدرك سريعًا أن فيها وجهين متناقضين، يعيشان في مشهد واحد.

من جهة، هي مدينة الأسواق العتيقة، والجوامع الأثرية، والآثار التي تعكس أصالة التاريخ. هي مدينة المأكولات الشهية والحلويات المميزة التي جعلت اسمها حاضرًا في كل بيت لبناني. وهي أيضًا مدينة الانفتاح والكرم والطيبة التي طبعت أهلها، فاستحقت ألقابًا كثيرة: الفيحاء، عاصمة الشمال، العاصمة الثانية للبنان، مدينة العلم والعلماء، والمدينة الاقتصادية.

لكن على المقلب الآخر، هناك خطاب إعلامي وسياسي مضاد يروّج صورة قاتمة عن طرابلس: مدينة الحرمان والفقر والبطالة، ساحة للتطرف والفوضى، مرتعًا للخارجين عن القانون. صورة أُريد لها أن تلتصق بالمدينة، حتى باتت في أذهان كثيرين حقيقة ثابتة، بينما هي في الواقع نتيجة سياسات تهميش وإقصاء طويلة المدى.

الجذر العميق للمشكلة

الخلل ليس في الناس ولا في هوية المدينة، بل في تغييب دورها الحقيقي في القرار الوطني اللبناني. فعلى الرغم من أن أبناء طرابلس تولوا عبر عقود مقاعد نيابية ووزارية، بل ورئاسة الحكومات، إلا أن ذلك لم يتحول إلى شراكة فعلية تُمكّن المدينة من المساهمة في صياغة السياسات الوطنية، السياسية والاقتصادية والإنمائية.

بقيت طرابلس، رغم ثقلها التاريخي والديمغرافي والثقافي، على هامش القرار، أسيرة تمثيل صوري يحقق مصالح أفراد لا مصلحة المدينة وأبنائها.

طرابلس: هوية ثابتة رغم محاولات التشويه

طرابلس لم تكن يومًا مدينة تبحث عن هوية أو تنتظر شهادة انتماء. فهي لبنانية عربية الهوى، منخرطة في قضايا الأمة، وعلى رأسها قضية فلسطين، حيث لعبت دورًا بارزًا في النضال العربي، ودفعت أثمانًا باهظة من فقر وتهميش وحرمان نتيجة سياسات إقصاء أرادتها أن تبقى ضعيفة رهينة.

ومع ذلك، لم تفقد دورها الثقافي والاجتماعي والعلمي. فهي مدينة العلماء والمفكرين، مدينة الاقتصاد والأعمال، التي لو أُتيحت لها شراكة فعلية، لكانت رافعة أساسية للبنان كله.

مسؤولية أبناء طرابلس

اليوم، ومع بداية مرحلة جديدة يسعى فيها لبنان لاستعادة سيادته وبناء مؤسساته، آن الأوان أن تستعيد طرابلس دورها الوطني.

المطلوب ليس فقط تحسين صورتها الإعلامية أو الترويج لسياحتها وأسواقها، بل تحرير القرار الطرابلسي من قيود التبعية والمحسوبيات والصنمية التي كبّلتها لعقود.

المسؤولية هنا تقع على عاتق الروّاد من أبنائها: أهل العلم والثقافة، رجال الاقتصاد والأعمال، والجيل الجديد من الشباب الطموح. وحدهم القادرون على صياغة وعي جديد يحرر المدينة من أسر الماضي، ويطلق دورها الريادي كشريك أساسي في القرار الوطني.

نحو شراكة حقيقية

إن إعادة طرابلس إلى قلب الحياة الوطنية لا تكون عبر المناصب الشكلية، بل عبر شراكة فعلية في صياغة السياسات العامة، في الاقتصاد كما في الإنماء، في التعليم كما في الإدارة، بما يعكس حجمها الحقيقي ووزنها التاريخي.

تحرير العقل وامتلاك الوعي هما الخطوة الأولى. فبهما تتحول طرابلس من مدينة مشوّهة الصورة إلى مدينة تعكس حقيقتها: مدينة أصيلة، ذات تاريخ ناصع وحاضر قادر، ومستقبل شريك وطني وريادي في بناء لبنان العدالة والمساواة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment