فخامة رئيس الجمهورية،
يمرّ لبنان اليوم بمرحلة قد تكون من أخطر المراحل التي عرفها منذ إعلان قيامه عام 1920. فالتطورات العسكرية المتسارعة في الجنوب، والتقارير المتداولة حول احتمال توسّع العمليات الإسرائيلية نحو مناطق إضافية من الأراضي اللبنانية، بما يشمل البقاع الغربي، بالتوازي مع معطيات تتحدث عن تحولات ميدانية محتملة على الحدود السورية قد تمتد إلى البقاع الأوسط والشمالي وشمال لبنان، تطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الكيان اللبناني وحدوده ودوره في الإقليم.
إن خطورة هذه المرحلة لا تكمن فقط في الحرب الجارية، بل في احتمال أن تتحول هذه الحرب إلى لحظة جيوسياسية مفصلية تعيد تشكيل الواقع الإقليمي وحدود الدول فيه. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تصبح مسؤولية رئاسة الجمهورية، بوصفها الموقع الدستوري الذي يجسد وحدة الدولة وسيادتها واستمراريتها، مسؤولية تتجاوز إدارة الأزمة اليومية لتصل إلى مستوى حماية الكيان الوطني نفسه.
وفي ضوء ما يتم تداوله إعلامياً حول طرح فخامتكم فكرة الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بهدف وقف العمليات العسكرية، وما تردد عن عدم تجاوب كل من إسرائيل والولايات المتحدة مع هذا الطرح، تبرز الحاجة إلى مقاربة هذه المسألة من زاوية تحليلية تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن الاصطفافات السياسية الداخلية، والتركيز بدلاً من ذلك على الأبعاد القانونية والاستراتيجية التي تحكم مثل هذه المبادرات في سياق الصراع القائم.
فالمقاربة التي يجري تداولها أحياناً في النقاش العام، والتي تقوم على الفصل الحاد بين منطق الدولة ومنطق المقاومة، تبدو في كثير من الأحيان تبسيطية قياساً بالتعقيد الفعلي للواقع الاستراتيجي اللبناني. فالدولة لا تبني قوتها فقط عبر احتكار أدوات القوة، بل أيضاً عبر قدرتها على توظيف عناصر القوة الموجودة في بيئتها الوطنية ضمن استراتيجية شاملة تخدم مصالحها السيادية.
وفي هذا السياق، فإن طرح المسألة وكأن الخيار يقتصر على نزع السلاح أو استمرار الفوضى يتجاهل احتمالاً ثالثاً أكثر واقعية، يتمثل في تحويل معادلة الردع القائمة إلى عنصر قوة تفاوضية تستخدمه الدولة في إدارة الصراع مع إسرائيل. فالتجارب التاريخية في النزاعات غير المتكافئة تشير إلى أن التفاوض لا يتم عادة من موقع الضعف، بل من خلال مراكمة أوراق ضغط سياسية وعسكرية تجعل التسوية خياراً أقل كلفة للطرفين.
ولا شك أن إعادة تثبيت مبدأ سيادة الدولة واحتكارها لاستخدام القوة يشكل أحد الأسس الجوهرية للنظام الدولي الحديث ولمفهوم الدولة في القانون الدستوري والقانون الدولي. غير أن تطبيق هذا المبدأ في الحالة اللبنانية يتأثر بتداخل معقد بين عاملين رئيسيين: طبيعة النزاع المستمر مع إسرائيل من جهة، والبنية السياسية والأمنية الداخلية من جهة أخرى.
فمن الناحية القانونية، يشكل استخدام القوة خارج إطار مؤسسات الدولة إشكالية سيادية واضحة، إذ إن قرارات الحرب والسلم في الدول الحديثة يفترض أن تصدر عن السلطات الدستورية حصراً. غير أن القانون الدولي يميز أيضاً بين مسؤولية الأطراف عن بدء الأعمال العدائية وبين الوضع القانوني الذي ينشأ إذا نتج عن تلك الأعمال احتلال أو سيطرة عسكرية على أراضٍ تابعة لدولة ذات سيادة، حيث يقر في هذه الحالة بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي، وهو مبدأ راسخ في قرارات الأمم المتحدة وفي تطور القانون الدولي الإنساني.
هذا التمييز يوضح أن النقاش القائم في لبنان لا يتعلق فقط بمسألة داخلية مرتبطة بتنظيم السلاح، بل يرتبط أيضاً بطبيعة الصراع الإقليمي والواقع الأمني القائم على الحدود الجنوبية. وبالتالي فإن مقاربة المسألة من زاوية سيادية داخلية بحتة، أو من زاوية الصراع مع إسرائيل فقط، تبقى قراءة غير مكتملة للواقع.
كما تشير التجارب التاريخية في النزاعات المشابهة إلى أن مسارات التفاوض ووقف الأعمال العدائية غالباً ما تنشأ نتيجة تفاعل عاملين متوازيين: الضغوط الدبلوماسية الدولية من جهة، وتوازنات القوة التي تتشكل ميدانياً من جهة أخرى. فالمفاوضات نادراً ما تبدأ في فراغ، لكنها أيضاً لا تنتظر بالضرورة حسم الصراع عسكرياً.
وفي الحالة اللبنانية تحديداً، تبرز معضلة إضافية تتعلق بقدرة الدولة على تنفيذ أي سياسة تهدف إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. فنجاح مثل هذا المسار يتطلب توافر ثلاثة شروط متلازمة: ١- قدرة مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية على فرض القرار عملياً، ٢- وجود توافق سياسي داخلي واسع حوله، ٣- توفير دعم دولي وإقليمي يضمن استقرار الترتيبات الأمنية الجديدة.
غياب أي من هذه العناصر قد يحوّل الهدف السيادي المشروع إلى شعار سياسي يصعب تطبيقه في المدى القريب، خصوصاً في ظل حرب مفتوحة واحتمالات توسعها.
ومن هنا، قد يكون التحدي الحقيقي أمام الدولة اللبنانية اليوم ليس الاختيار بين منطق الدولة ومنطق المقاومة، بل إيجاد صيغة استراتيجية تسمح بدمج متطلبات السيادة مع ضرورات الأمن في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ففي أدبيات التفاوض والصراعات الدولية، تتحدد القدرة التفاوضية لأي دولة ليس فقط بقوة حجتها القانونية أو السياسية، بل أيضاً بما يسمى "البديل الأفضل عن الاتفاق"، أي قدرتها على تحمل كلفة استمرار الصراع أو رفع كلفته على الطرف الآخر. وفي هذا السياق يمكن أن تتحول عناصر الردع الموجودة على الأرض، إذا أُديرت ضمن إطار وطني واضح، إلى عنصر قوة تفاوضية بدلاً من أن تبقى مصدر انقسام داخلي.
غير أن تحويل أي عنصر ردع إلى قوة تفاوضية يفترض شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه، وهو أن يبقى القرار الاستراتيجي النهائي بيد الدولة. فعندما يصبح قرار التصعيد أو التهدئة خارج إطار القرار الوطني، يتحول عنصر القوة إلى عامل عدم استقرار يضعف موقع الدولة بدلاً من أن يعززه.
فخامة الرئيس،
إذا كانت المعطيات المتداولة حول احتمال توسع العمليات العسكرية وتحولها إلى واقع جيوسياسي جديد صحيحة أو حتى محتملة، فإن النافذة الزمنية المتاحة أمام الدولة اللبنانية للتحرك قد تكون ضيقة للغاية. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح المطلوب إجراء عملي سريع يعيد تثبيت وحدة القرار الوطني ويمنع انزلاق البلاد نحو مسارات قد يصعب التراجع عنها لاحقاً.
وانطلاقاً من الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية باعتباره رأس الدولة ورمز وحدة الوطن، يمكن إطلاق مبادرة وطنية عاجلة خلال مهلة لا تتجاوز ثماني وأربعين ساعة تقوم على الدعوة إلى اجتماع وطني استثنائي في قصر بعبدا يضم الرؤساء الثلاثة وقادة الكتل السياسية الأساسية وممثلي القوى المعنية مباشرة بالمعادلة الأمنية في البلاد، بهدف الاتفاق على إطار وطني موحد لإدارة المرحلة الراهنة.
ويكون الهدف المباشر من هذا الاجتماع تثبيت مبدأ أن قرار السلم والحرب والتفاوض يصدر عن الدولة اللبنانية حصراً، على أن يجري في المقابل إدراج كل عناصر القوة الموجودة على الأرض ضمن رؤية وطنية للدفاع عن لبنان، بحيث تتحول معادلة الردع القائمة إلى عنصر من عناصر القوة التفاوضية للدولة بدلاً من أن تبقى مصدر انقسام داخلي.
كما يمكن أن يفضي هذا الاجتماع إلى إنشاء آلية تنسيق وطنية سياسية وأمنية برعاية رئاسة الجمهورية، تضم ممثلين عن رئاسة الحكومة والقيادة العسكرية والقوى السياسية الأساسية، تكون مهمتها إدارة المرحلة الراهنة وضبط إيقاع أي تصعيد أو تهدئة بما ينسجم مع القرار الوطني الموحد، وتوفير الغطاء السياسي لأي مسار دبلوماسي يهدف إلى وقف العمليات العسكرية ومنع توسعها.
إن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في بعدها الداخلي، بل أيضاً في الرسالة التي توجهها إلى الخارج. فوجود موقف لبناني موحد يعيد تثبيت أن الدولة هي المرجعية النهائية في إدارة الصراع، وفي الوقت نفسه يعكس أن عناصر الردع القائمة هي جزء من قوة لبنان التفاوضية، يمكن أن يعيد تشكيل الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع الأزمة.
إن اللحظة التي يمر بها لبنان اليوم قد تكون لحظة مفصلية في تاريخه الحديث. وفي مثل هذه اللحظات، لا يُقاس دور القيادة فقط بإدارة التوازنات القائمة، بل بقدرتها على جمع القوى الوطنية حول قرار واحد يحمي الدولة ويمنع انهيارها أو تفككها.
وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الأكبر أمام لبنان هو إيجاد الصيغة التي تجعل من الدولة المرجعية النهائية التي تقرر متى يبدأ الصراع ومتى تنتهي شروطه، من دون أن تفقد في الوقت نفسه القدرة على حماية أرضها وسيادتها.
جبران الخوري











03/18/2026 - 12:13 PM





Comments