بين المبدأ والواقع: قراءة في موقف سيادي

03/18/2026 - 11:45 AM

Bt adv

 

 

فرنسوا طانيوس الجردي

"أيّ انتهاكٍ للـ10,452 كم²… وأيّ مساسٍ بالشعب أو بالأرض، أكان من الجانب الإسرائيلي أو من الجانب السوري لا سمح الله، أو من أيّ جهةٍ كانت… سنواجهه حتمًا" يمنى بشير الجميل

في زمنٍ تتآكل فيه المفاهيم الكبرى تحت وطأة الانقسامات السياسية والتجاذبات الإقليمية، يبرز أحيانًا خطاب يعيد التذكير بالبديهيات التي يفترض أنها غير قابلة للنقاش. من هذا المنطلق، جاء تصريح السيدة يمنى بشير الجميل ليضع مسألة السيادة اللبنانية في إطارها الصافي: أي انتهاكٍ للأرض أو مساسٍ بالشعب، من أي جهةٍ أتى، هو مرفوض ويستوجب المواجهة.

ليس جديدًا على الحياة السياسية اللبنانية رفع شعار السيادة، لكن الجديد نسبيًا في هذا التصريح هو خروجه من منطق الانتقائية. فبدل حصر التهديد بطرفٍ دون آخر، يقدّم الطرح معيارًا ثابتًا: السيادة لا تتجزأ، ولا تخضع للحسابات الظرفية أو الاصطفافات السياسية. في بلدٍ اعتاد أن يرى مواقف متباينة بحسب مصدر الخطر، يحمل هذا الطرح بعدًا تصحيحيًا للنقاش العام، ويعيد توجيهه نحو مفهوم الدولة كمرجعية وحيدة.

الرمزية في الإشارة إلى “10,452 كلم²” ليست تفصيلًا لغويًا، بل تأكيد على وحدة الكيان اللبناني في مواجهة كل أشكال التعدي. إنها استعادة لفكرة أن الجغرافيا الوطنية ليست مساحة تفاوض أو نفوذ، بل إطار سيادي جامع يفترض أن يكون محميًا بإجماع داخلي قبل أي شيء آخر. وهنا تحديدًا تكمن قوة التصريح: في وضوحه وبساطته، وفي رفضه الضمني لأي تبرير لانتهاك السيادة تحت أي عنوان.

لكن، وكما هي الحال دائمًا في لبنان، يصطدم المبدأ بالواقع. فالمشكلة لا تكمن في تعريف السيادة، بل في القدرة على حمايتها. لبنان اليوم يعيش حالة تداخل معقد بين القرار الداخلي والتأثيرات الخارجية، ما يجعل من أي موقف سيادي شامل تحديًا عمليًا قبل أن يكون إعلانًا سياسيًا. فهل تملك الدولة أدوات المواجهة؟ وهل القرار السيادي موحد أصلًا داخل مؤسساتها؟

من هنا، يمكن القول إن أهمية تصريح يمنى بشير الجميل لا تكمن فقط في مضمونه، بل في التوقيت والسياق. إنه يطرح سؤالًا أكبر من ذاته: هل لا يزال بالإمكان استعادة مفهوم الدولة كمرجعية نهائية، أم أن الواقع اللبناني بات يتجاوز هذه الفكرة؟

في المحصلة، يعكس هذا الموقف طموحًا مشروعًا لإعادة الاعتبار للسيادة بوصفها قيمة مطلقة، لا نسبية. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في ترجمة هذا الطموح إلى سياسات قابلة للتنفيذ، في بلدٍ لم يحسم بعد مسألة من يملك القرار، ومن يتحمّل مسؤولية الدفاع عن كامل ترابه. بين وضوح الموقف وتعقيد الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكفي الإرادة السياسية وحدها لاستعادة السيادة، أم أن الطريق إلى ذلك لا يزال طويلًا وشائكًا؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment