من هرمز إلى طهران: معركة الاستنزاف بين واشنطن وإيران

03/18/2026 - 07:20 AM

Arab American Target

 

إيلي إ. حرب

 

على الرغم من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة أن الهجوم  على إيران يمكن ان يستمر لمدة "أربعة الى خمسة أسابيع" وقوله لاحقا أنه "لم يبقى شيء في إيران لضربه وأن الحرب " انتهت الى حد كبير"، نقلت مجلة "تايم" مؤخرا أن الرئيس الأميركي قد يترك الحرب مفتوحة لأشهر أو سنوات حتى تحقيق كامل الأهداف الاستراتيجية.

مراكز أبحاث ودراسات أميركية عدة ومن بينها مركز "Critical Threats Project " اورد في تقرير جديد أسباب هذا التحول. فإيران بحسب التقرير تعتمد في هذه الحرب على استراتيجية مركّبة تقوم أساساً على التكيّف وإطالة أمد الصراع بدل السعي إلى حسم سريع. ترتكز هذه المقاربة على توظيف أدوات الحرب غير المتكافئة، حيث تركز طهران على استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والعمليات البحرية المحدودة الكلفة لكنها في المقابل عالية التأثير. كما أنها تعمد الى  تخفيض الإطلاقات الصاروخية بما يسمح لها بالحفاظ على قدرة هجومية مستمرة رغم الضربات التي تتعرض لها.

توازياً تسعى الجمهورية الإسلامية إلى توسيع ساحة المواجهة عبر حلفائها الإقليميين، ما يحوّل الصراع من مواجهة مباشرة معها إلى مواجهة على جبهات عدة (دول الخليج، لبنان وجزئيا العراق) لرفع كلفة التصعيد  بالنسبة لخصومها. كما تستخدم طهران، بحسب التقرير، ورقة الاقتصاد العالمي من خلال تهديد الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة لربط مسار الحرب بأسواق الطاقة العالمية (الدول المستوردة) وفرض معادلة ردع. في صلب هذه الاستراتيجية، تراهن القيادة الإيرانية على عامل الزمن، إذ إن إطالة أمد الحرب من شأنه استنزاف الإرادة السياسية للولايات المتحدة وشركائها، وإعادة إنتاج توازن جديد يقوم على القدرة على الصمود لا على التفوق العسكري التقليدي.

في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على استراتيجية تقوم على تفكيك تدريجي وممنهج للقدرات العسكرية الإيرانية من خلال التفوق التكنولوجي والضربات الدقيقة. يتركز هذا النهج على استهداف البنية العملياتية التي تمكّن إيران من شن هجماتها، بما في ذلك منصات الصواريخ والطائرات المسيّرة ومراكز القيادة والسيطرة، إضافة إلى تحجيم القدرات البحرية التي تهدد الملاحة الدولية. هذا التوجه لا يهدف إلى تحقيق نصر سريع، بحسب التقرير، بقدر ما يسعى إلى تقليص القدرة الردعية الإيرانية على المدى المتوسط، وفرض واقع يجعل من الصعب على طهران مواصلة التصعيد بنفس الفعالية.

تواجه هذه الاستراتيجية تحديات واضحة، أبرزها صعوبة القضاء الكامل على أدوات الحرب التي تعتمدها إيران، فضلاً عن استمرار قدرتها على إعادة التموضع وامتصاص الضربات، ما يحدّ من إمكانية ترجمة التفوق العسكري إلى حسم كامل.

تنعكس هاتان الاستراتيجيتان بشكل مباشر على النظام الاقتصادي العالمي عبر مضيق هرمز. فبينما تسعى إيران إلى استخدام المضيق كورقة ضغط عبر التهديد أو التعطيل الجزئي لحركة السفن، تعمل الولايات المتحدة على تأمين هذا الممر الحيوي ومنع تحوّله إلى أداة ابتزاز جيوسياسي. هذه المعادلة تخلق حالة من عدم الاستقرار مع ارتفاع أسعار الطاقة وإرباك الأسواق العالمية، حتى دون إغلاق فعلي للمضيق. بالنسبة لإيران، يمنحها هذا الواقع أداة فعالة لتعويض الفجوة في ميزان القوة العسكرية، إذ تستطيع التأثير في الاقتصاد العالمي بكلفة عسكرية محدودة نسبياً. أما بالنسبة للاقتصاد العالمي، فإن استمرار هذه المواجهة يعني بقاء أحد أهم مصادر الطاقة عرضة للتقلبات، ما ينعكس مباشرة على أسعار النفط وسلاسل الإمداد والاستقرار المالي الدولي.

وفي ظل هذا التداخل بين العسكري والاقتصادي، تبدو الحرب مرشحة للاستمرار ضمن نموذج استنزاف طويل، حيث لا يقتصر الصراع على الميدان، بل يمتد ليشمل موازين القوة في الاقتصاد العالمي نفسه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment