الفاتيكان وبكركي في قلب العاصفة: كيف تواجه الكنيسة الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان وتحمي الوجود المسيحي؟

03/18/2026 - 06:50 AM

https://metrolinktrains.com

 

 


الخوري الدكتور نبيل مونس

لم يعد ما يجري في جنوب لبنان مجرد “تصعيد عابر” أو “اشتباك محدود” كما يحلو للبعض أن يصفه. ما يحدث هو استهداف مباشر، متواصل، وممنهج لقرى مسيحية صمدت على خط النار منذ عقود، ودفعت ثمن الجغرافيا والهوية والالتزام الوطني أكثر مما دفعه أي مكوّن آخر.

القصف الغير مبرر الذي يطال القرى الجنوبية ومنها القليعة ورميش وعين إبل ودبل وعلما الشعب ليس خطأً تقنياً ولا “أضراراً جانبية”، بل هو رسالة واضحة: الضغط على السكان، إنهاكهم، ودفعهم إلى الرحيل. إنها محاولة جديدة لإعادة رسم الجنوب اللبناني على حساب الوجود المسيحي، تماماً كما حدث في مراحل سابقة من تاريخ لبنان الحديث.

في مواجهة هذا المشهد، الكنيسة لم تقف متفرجة. الفاتيكان تحرك بسرعة لافتة، مدركاً أن ما يجري يتجاوز حدود لبنان ليصل إلى صميم الوجود المسيحي في الشرق. البابا ليو الرابع عشر يسأل ويتلقى تقارير يومية، والسفارة البابوية في بيروت تتحرك على الأرض، السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا وقف بين الأهالي تحت القصف، في مشهد لم يكن مجرد زيارة رعوية، بل موقف سياسي بامتياز. عندما يقف ممثل الفاتيكان في القليعة، فهو يقول للعالم: “هنا شعب لن يُمحى، وهنا كنيسة لن تُسكت”.

البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي لم يكتفِ بالتحذير، بل سمّى الأمور بأسمائها: هناك استهداف، هناك خطر تهجير، وهناك محاولة لفرض واقع جديد على القرى المسيحية. الراعي يعرف تماماً معنى أن تُفرغ منطقة من أهلها، ويعرف أن التهجير يبدأ بقذيفة وينتهي ببيع أرض أو هجرة عائلة. لذلك رفع صوته، وضغط على الدولة، وواجه التجاهل الرسمي، وذكّر الجميع بأن الجنوب ليس أرضاً سائبة، وأن حماية القرى المسيحية ليست خياراً بل واجب وطني.

وفي الوقت الذي كانت فيه الدبلوماسية الكنسية تتحرك، كانت الجمعيات المسيحية تخوض معركة أخرى: معركة البقاء. جمعية “كاريتاس” وفرق الإغاثة عملت تحت القصف، فتحت المدارس والأديرة، أسعفت الجرحى، واحتضنت النازحين. هؤلاء المتطوعون لم ينتظروا بيانات ولا اجتماعات، بل نزلوا إلى الأرض لأنهم يعرفون أن سقوط قرية يعني سقوط تاريخ كامل. وفي الخارج، تحركت الجاليات اللبنانية المسيحية بسرعة، جمعت الأموال، أرسلت المساعدات، وأثبتت أن الاغتراب ليس بعيداً عن الأرض الأم حين تكون الهوية مهددة.

وفي موازاة التحركات الكنسية والدبلوماسية، برزت مبادرة الرابطة المارونية برئاسة مارون الحلو كأحد أهم الأصوات المدنية التي رفضت الصمت أمام ما يجري في الجنوب. الحلو، المعروف بمواقفه الصريحة وغير المساوِمة، اعتبر أن استهداف القرى المسيحية “ليس حدثاً عابراً بل محاولة واضحة لضرب التوازن الوطني وإفراغ الجنوب من أهله”. وقد قادت الرابطة سلسلة اتصالات مع القيادات السياسية والأمنية، مطالبةً الدولة بتحمّل مسؤولياتها وعدم ترك القرى الحدودية مكشوفة تحت القصف. كما أطلقت الرابطة مبادرة دعم عاجلة شملت إرسال مساعدات لوجستية وغذائية وطبية إلى رميش والقليعة وعين إبل، بالتنسيق مع الأبرشيات والجمعيات الإغاثية.

الحلو أكد في أكثر من موقف أن “الوجود المسيحي في الجنوب ليس ورقة تفاوض ولا مساحة يمكن التلاعب بها”، مشدداً على أن الرابطة ستواجه أي محاولة لفرض تغيير ديموغرافي أو دفع الأهالي إلى النزوح القسري. واعتبر أن ما يجري “يتطلب موقفاً وطنياً صريحاً، لا بيانات خجولة ولا حسابات سياسية ضيقة”، داعياً إلى حماية القرى المسيحية باعتبارها “خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه”.

المشهد اليوم واضح: هناك قرى تُقصف، عائلات تُهجّر، كنائس تتضرر، طرقات تُقطع، وأطفال ينامون في مدارس تحولت إلى ملاجئ. وهناك أيضاً صمت رسمي لا يليق بحجم الخطر، وتراخٍ سياسي يفتح الباب أمام الأسوأ. في المقابل، هناك صوت واحد لا يزال ثابتاً: صوت الكنيسة. صوت الفاتيكان الذي يضغط دولياً، وصوت بكركي الذي يصرخ محلياً، وصوت الجمعيات التي تعمل بصمت وشجاعة.

هذه ليست معركة حدود، بل معركة وجود. ليست معركة جغرافيا، بل معركة هوية. الجنوب ليس رقعة يمكن التلاعب بها، والقرى المسيحية ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه. من يظن أن التهجير قد يمرّ هذه المرة “بهدوء” يخطئ في قراءة التاريخ. ومن يعتقد أن الكنيسة ستصمت يجهل معنى أن تكون بكركي مرجعية وطنية قبل أن تكون مرجعية دينية.

اليوم، المطلوب ليس فقط وقف القصف، بل وقف مشروع التغيير الديموغرافي المقنّع. المطلوب ليس فقط التضامن، بل اتخاذ موقف واضح: الجنوب ليس للبيع، والوجود المسيحي ليس ورقة تفاوض، والناس الذين صمدوا في وجه الاجتياحات والحروب لن يرحلوا لأن صاروخاً سقط هنا أو قذيفة انفجرت هناك.

كلمة اليوم ليست دعوة إلى الحرب، بل دعوة إلى السلام، والحقيقة تقول إن ما يجري أخطر مما يُقال، وإن حماية الجنوب ليست مسؤولية الكنيسة وحدها، بل مسؤولية دولة وشعب ومجتمع دولي. الفاتيكان فعل ما عليه، وبكركي قالت ما يجب أن يُقال، والجمعيات عملت بما يفوق قدراتها. بقي أن يتحرك من يجب أن يتحرك، قبل أن نجد أنفسنا أمام جنوب جديد بلا أهله، ولبنان جديد بلا توازنه، وشرق جديد بلا مسيحييه.

هذه ليست مبالغة. هذه صرخة. صرخة مدوية تُكتب لأن الصمت خيانة، ولأن الجنوب يستحق أن يُقال عنه ما يجب أن يُقال: هنا أرض لا تُترك، وهنا شعب لا يُهزم، وهنا كنيسة لا تتراجع.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment