شروط بري بين الواقعية السياسية وحدود الدور

03/17/2026 - 11:03 AM

Prestige Jewelry

 

 

فرنسوا طانيوس الجردي

في خضمّ التصعيد العسكري والتوتر السياسي الذي يلفّ لبنان والمنطقة، برز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي وضع شرطين أساسيين لأي مقاربة تتعلق بملف التفاوض أو بالمبادرة التي طرحها رئيس الجمهورية جوزاف عون، وهما: وقف إطلاق النار أولاً، وعودة النازحين إلى بلداتهم ثانياً. موقف يبدو في ظاهره إنسانياً وسياسياً في آن، لكنه يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول موقع بري في معادلة التفاوض وحدود الدور اللبناني في رسم شروط على الطرف الإسرائيلي.

من الناحية المبدئية، لا يمكن لأي عاقل أن يعترض على أولوية وقف إطلاق النار وعودة المدنيين إلى منازلهم. فهذه المطالب تشكّل الحدّ الأدنى لأي مقاربة إنسانية في ظل حرب مدمرة تهجّر الآلاف وتعرّض القرى والبنى التحتية لخطر دائم. لكن السياسة، بخلاف الأمنيات، تُقاس بموازين القوى وبطبيعة الأطراف المعنية بالتفاوض.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل لبنان الرسمي، أو أي مسؤول لبناني، في موقع يسمح له بفرض شروط على إسرائيل؟ الواقع السياسي والعسكري يشير إلى أن التفاوض في مثل هذه الحروب لا يجري عادة بين دولتين متكافئتين في ميزان القوة، بل يتم غالباً عبر وسطاء دوليين أو إقليميين، وفي إطار ضغوط وتفاهمات أكبر من قدرة الأطراف المحلية على التحكم بها.

في هذا السياق، يبدو كلام بري أقرب إلى تحديد أولويات لبنانية أو شروط سياسية داخلية أكثر منه شروطاً تفاوضية فعلية مع إسرائيل. فلبنان، في نهاية المطاف، لا يجلس مباشرة إلى طاولة التفاوض مع تل أبيب، بل يتحرك عبر قنوات غير مباشرة أو عبر وسطاء دوليين، وغالباً ما تكون القرارات الكبرى مرتبطة بالتوازنات الإقليمية الأوسع.

كما أن موقع بري نفسه يطرح إشكالية أخرى. فهو رئيس مجلس النواب، أي رأس السلطة التشريعية في الدولة اللبنانية، لكنه في الوقت نفسه الحليف السياسي الأبرز لحزب الله داخل النظام السياسي. وهذا الموقع المزدوج يجعل أي موقف يصدر عنه يُقرأ دائماً ضمن سياق العلاقة بين الدولة اللبنانية ومحور المقاومة، وليس فقط ضمن إطار الموقف الرسمي البحت.

من هنا، يمكن فهم شروط بري على أنها رسالة سياسية متعددة الاتجاهات: رسالة داخلية تطمئن بيئته السياسية بأن الأولوية هي لحماية المدنيين وعودة النازحين، ورسالة إلى المجتمع الدولي بأن لبنان لا يبحث عن تصعيد بل عن وقف للحرب. لكنها في الوقت نفسه ليست شروطاً تفاوضية بالمعنى الفعلي، لأن قرار الحرب والسلم في هذه المواجهة لا يُحسم في بيروت وحدها.

في المحصلة، يعكس موقف بري إحدى المعضلات المزمنة في النظام اللبناني: تعدد مراكز القرار وتداخل الأدوار بين الدولة والقوى السياسية والعسكرية غير الرسمية. وفي ظل هذه المعادلة، يصبح الكلام عن “شروط لبنانية” أقرب إلى إعلان موقف سياسي أو سقف تفاوضي معنوي، أكثر منه قدرة فعلية على فرض معادلات على الطرف الآخر.

وهكذا، تبقى الحقيقة القاسية أن لبنان، في مثل هذه اللحظات المفصلية، لا يملك ترف وضع الشروط بقدر ما يسعى إلى تقليل الخسائر وانتظار التسويات الكبرى التي تُرسم عادة خارج حدوده.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment