لبنان بين وعود العهد الجديد والعدوان الإسرائيلي المستمر وواقع الأزمة المتفاقمة

03/17/2026 - 10:18 AM

Arab American Target

 

 

 

 رشيد ج. مينا

مع انتخاب العماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية بعد شغور طال، ومع تشكيل حكومة برئاسة القاضي نواف سلام، استبشر غالبية اللبنانيين خيرًا "ونحن منهم" ونال العهد والحكومة كل التأييد والدعم محليًا وعربيًا ودوليًا. وقد جاء ذلك على أساس خطاب القسم لرئيس الجمهورية وما تضمّنه من وعود، وعلى البيان الوزاري الذي التزمت به الحكومة ونالت الثقة الشعبية والنيابية على أساسه، وهو ما أعاد الحياة الدستورية إلى مسارها الطبيعي.

لكن، ورغم القرارات الحكومية والحركة الرئاسية داخليًا وخارجيًا، لم يلمس اللبنانيون أي تغيير فعلي أو خطوات جدية على الأرض، بل اقتصر الأمر على إجراءات انتقائية، بعضها جرى وفق السياسات التوافقية القديمة المستمرة، أو اتخذ طابعًا كيديًا لا يمس جوهر الأزمات.

فلا يزال العدوان الإسرائيلي مستمرًا من دون أي رد أو تحرك شرعي لوقفه، مما أفسح المجال مجددًا للسلاح الذي اعتُبر غير شرعي لإدخال لبنان إلى أتون الصراع الإقليمي المدمر، وما نتج عنه من نزوح لأكثر من مليون شخص وتدمير لمئات المنازل والممتلكات، في ظل عجز دولي واستهداف يتجاوز لبنان ليطال العرب عمومًا.

كما أن حقوق الناس المنهوبة، التي يُطلق عليها المصطلح الخبيث «أزمة المودعين»، بقيت رهينة قرارات معلّقة مرتبطة بموافقات خارجية. كذلك، ظل ملف حصرية السلاح بيد الدولة أسير التعطيل، حتى مع وجود قرارات وخطط مقرة حكوميًا، رغم أولوية هذا الملف.

إلى جانب ذلك، لا يزال غياب المسار الفعلي لمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين سيد الموقف، مع تعطيل واضح لأجهزة الرقابة والتفتيش. وما تحقق لم يتعدَّ بعض التعيينات الوظيفية والمناقلات الدبلوماسية والإدارية، فيما الوقائع على الأرض تكشف استمرار الانهيار، وليس آخرها أحداث الروشة وإخلاءات السبيل لبعض المتهمين في ملفات فساد كبيرة، في حين يقبع آلاف آخرون في السجون من دون محاكمات.

إن الثقة الكبيرة التي منحها اللبنانيون للعهد والحكومة، وللعماد جوزيف عون والقاضي نواف سلام، ليست ثقة شخصية — مع كامل التقدير لمسيرتهما ونواياهما المعلنة — بل هي ثقة بالمبادئ والأهداف التي التزما بها: استعادة الدولة لقرارها وسيادتها، حصر السلاح بيدها، فرض القانون، مكافحة الفساد، استعادة الأموال المنهوبة، إعادة الإعمار، وتنفيذ اتفاق الطائف، رغم أن المؤشرات توحي بأن لبنان قد يتجاوز هذا الاتفاق نحو عقد جديد لم تتبلور ملامحه بعد، وفق التوازنات المستجدة.

غير أن هذه الأهداف والنوايا لن تتحقق ما لم يتوقف التدخل الخارجي واستعمال لبنان كساحة، لا سيما في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي وارتباطه بالصراع الإقليمي الأمريكي–الإسرائيلي–الإيراني، وهو صراع يتسع ليشمل دولًا عربية لم تكن سابقًا ضمن نطاق الاستهداف.

إن الأولوية اليوم هي تحقيق تلاقي اللبنانيين على قاعدة التوازن الحقيقي، ومواجهة التحديات، وفك ارتباط الداخل بصراعات الخارج. إذ لا يمكن لأي حوار أو وحدة وطنية أن تقوم في ظل استقواء طرف على آخر، مهما كانت العناوين المرفوعة.

لبنان واحد، عربي ديمقراطي، في ظل دولة واحدة وسلطة عادلة تؤمّن المساواة وتكافؤ الفرص. فلا سيادة، ولا استقرار، ولا وحدة وطنية مع سياسات الاسترضاء أو الإقصاء أو الاستقواء.

إن التغيير لم يعد خيارًا سياسيًا أو شعارًا انتخابيًا، بل أصبح ضرورة وجودية لإنقاذ لبنان: الوطن، والدولة، والقرار، والسيادة، والحرية.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment