عُصْفُورٌ… رَسَائِلٌ مِنَ الرُّوح

03/17/2026 - 07:47 AM

Arab American Target

 

 
صَبَاحَ الْيَوْمِ زَارَنِي الْعُصْفُورُ، الْمُعْتَادُ عَلَى زِيَارَتِي فِي الأَوْقَاتِ الصَّعْبَةِ، حَامِلًا تَعْزِيَةً وَرَجَاءً.
جَثَمَ عَلَى حَافَّةِ النَّافِذَةِ.
اسْتَمْهَلْتُهُ قَلِيلًا مِنَ الْوَقْتِ حَتَّى أَتَحَضَّرَ لِاسْتِقْبَالِهِ.
وَبِيَدِي فِنْجَانُ الْقَهْوَةِ، جَلَسْتُ عَلَى كُرْسِيٍّ بِجَانِبِ النَّافِذَةِ، أَسْمَعُ صَوْتَهُ يَنْسَابُ كَنَسَمَةِ رُوحٍ، وَهُوَ يَعْزِفُ مَقْطُوعَةً لِبِيتْهُوفِن، كَأَنَّ النُّوتَاتِ تُفَتِّحُ قَلْبِي عَلَى أَعْمَاقِ الْمَحَبَّةِ وَسِرِّ الْخَلَاصِ.
بَعْدَ أَنْ أَنْهَى العَزْفَ، فَتَحَ قَلْبَهُ لِلْبَوْحِ بِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ رَسَائِلِ الرُّوحِ :
 
مُنْذُ الْبَدْءِ أَعْلَنَتِ الْمَحَبَّةُ كَلِمَتَهَا، فَتَجَسَّدَتْ لَحْمًا وَدَمًا، وَصَارَتْ بَشَرًا يُنْشِدُ الْخَيْرَ وَالنُّورَ.
الْجَمَالُ يُخَلِّصُ الأَرْضَ، وَكُلُّ مَنْ تَجَمَّلَ بِهِ يَرْتَقِي.
وَلِأَنَّ لُبْنَانَ جَمَالُهُ جَمَالٌ إِلَهِيٌّ، فَسَيَخْلُصُ، وَسَيَخْلُصُ مَعَهُ كُلُّ مَنْ رَسَخَ فِي قَلْبِهِ رُوحُ الْجَمَالِ.
وَلِأَنَّكَ رِسَالَةٌ، لَا تَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلَّا رِسَالَةٌ مُضَادَّةٌ، وَمَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَهْزِمَ الْقِيَمَ وَالْحُرِّيَّةَ وَالْمَحَبَّةَ؟
وَفِي هٰذَا الْجَمَالِ الْمُقَدَّسِ يَتَجَلَّى قَلْبُ الإِنْسَانِ، وَيَسْمَعُ نَبْضَ الرُّوحِ فِي صَمْتِهَا… فَتَتَجَلَّى الْمَحَبَّةُ فِي بَيْتٍ وَوَطَنٍ، كَمَا فِي قَلْبِ الأُمِّ وَرَجَاءِ أَبْنَائِهَا.
وقَبْلَ أَنْ يَسْتَرْسِلَ بِالْكَلَامِ، طَلَبْتُ وَقْتًا لِأَسْمَعَ صَوْتَ الرُّوحِ فِي صَمْتِ الْقَلْبِ.
فَأَنْشَدَ مَقْطُوعَةً غِنَائِيَّةً لِفَيْرُوز، جَوْهَرَةِ لُبْنَان:
«بِقُولُوا زْغَيَّرْ وَطَنِي».
تَسَاقَطَتِ النُّوتَاتُ كَضِيَاءِ فَجْرٍ عَلَى وَجْهِ الْقَلْبِ، وَأَحْيَتْ فِيهِ رَجَاءً صَافِيًا.
 
الأُمُّ اللُّبْنَانِيَّةُ هِيَ رُوحُ الْوَطَنِ، حَارِسَةُ الْعَائِلَةِ، وَشِبَعُ الأَبْنَاءِ، وَفَرَحُ الْجَمِيعِ.
بَيْتُهَا بَيْتُ لَحْمٍ، وَأَوْلَادُهَا يَعِيشُونَ فِي مَنَازِلَ مُتَوَاضِعَةٍ، وَيَرْحَلُونَ نَحْوَ بَيْتِ الٱب السَّمَاوِيِّ، مِن قُصُورِ الْعِلْمِ، حَيْثُ يَرْتَقِي الْفِكْرُ وَتَتَجَلَّى الْحِكْمَةُ.
إِنَّهُنَّ كَسُفُنِ التُّجَّارِ، يَعْبُرْنَ بَحَارَ الْمَحَبَّةِ، وَيَعُدْنَ بِكُنُوزٍ لَا تَزُولُ:
كُنُوزِ الْحُبِّ وَالنُّورِ وَالرُّوحِ.
وَلِأَنَّ لُبْنَانَ رِسَالَةٌ لَنْ تَمُوتَ، كَذَلِكَ الأُمُّ اللُّبْنَانِيَّةُ حُبٌّ هَزَمَ الْمَوْتَ، وَبَقِيَتْ رُوحُهَا تَحْمِلُ النُّورَ فِي كُلِّ قَلْبٍ يَسْتَمِعُ إِلَى صَوْتِ الْحَيَاةِ وَالْمَحَبَّةِ.
رَجُلُهَا يُوسُفُ، سَنَدُهَا وَعَمُودُ بَيْتِهَا.
بِحِكْمَتِهِ وَصَمْتِهِ الْمُحِبِّ، يَحْمِلُ نَفْسَ رُوحِ الْخَلَاصِ، كَأَنَّهُ يُتِمُّ مَا أَنْشَدَتْهُ الأُمُّ فِي حُبِّهَا وَتَضْحِيَتِهَا.
وَعِنْدَمَا سَكَتَ الْعُصْفُورُ،
سَكَتَتِ الْمُوسِيقَى،
وَبَقِيَ فِي الْقَلْبِ صَوْتٌ أَعْمَقُ مِنَ النُّوتَاتِ.
حِينَئِذٍ فَهِمْتُ الرِّسَالَةَ.
لَا شَيْءَ يَقْوَى عَلَى الْمَحَبَّةِ،
وَلَا ظُلْمَةَ تَغْلِبُ النُّورَ،
وَلَا وَطَنًا يَمُوتُ
مَا دَامَ فِيهِ قَلْبٌ يُصَلِّي…
وَأُمٌّ تُحِبُّ…
وَرَجُلٌ صَامِتٌ كَيُوسُفَ يَحْرُسُ الْبَيْتَ.
عِنْدَهَا رَفْرَفَ الْعُصْفُورُ وَمَضَى،
وَبَقِيَ فِي دَاخِلِي صَوْتٌ وَاحِدٌ يُرَدِّدُ بِهُدُوءِ:
غَدًا… سَيَكُونُ أَجْمَلَ.
 
خَرْبَشَاتُ طِفْلٍ
بِقَلَمِ الإِبْنِ الضَّالِّ… إِذَا تَابَ.
 
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment