
بيروت – تحقيق إخباري من إعداد الإعلامي جورج ديب
في قلب الشريط الحدودي، حيث تتشابك رائحة التراب مع رائحة الخوف، يقف أهل القرى المسيحية في جنوب لبنان كأشجار معمرة تتعرض لرياح عاتية تهدد جذورها. إنذارات الإخلاء المتكررة لم تعد مجرد تحذيرات عابرة، بل أصبحت نبضاً يومياً يفرض على العائلات أن تقرر بين البقاء على أرض الأجداد أو الرحيل حفاظاً على الحياة. في هذه اللحظات الحاسمة تتقاطع معاناة المدنيين مع حسابات عسكرية وسياسية، ويبرز سؤال واحد يطغى على كل حديث: من يحمي من لا سلاح له؟
البلديات والكنائس تحولت إلى مراكز طوارئ، والبطاركة الكاثوليك والأرثوذكس يرفعون أصواتهم من منابر الإيمان إلى ساحات الدبلوماسية، بينما يصل النداء إلى الفاتيكان طلباً لضمانات حماية لا تقتصر على كلمات، بل تتجسد في إجراءات ملموسة. بين هذه الدعوات تتصاعد اتهامات بأن وجود نشاطات مسلحة قرب التجمعات السكنية يجعل القرى أهدافاً سهلة، فتتحول حياة الناس إلى رهينة بين منطق القوة وحق البقاء.
مسيحيو الجنوب اللبناني صامدون بين الخوف والكرامة
في قرى حدودية مثل علما الشعب ودبل وعين إبل تحولت أوامر الإخلاء المتكررة إلى واقع يومي يفرض على العائلات اتخاذ قرارات سريعة بين البقاء في منازلها أو النزوح إلى العمق اللبناني حفاظاً على الأرواح وممتلكاتٍ قليلة تبقى. الإنذارات لم تعد تقتصر على مناطق محسوبة تقليدياً على فصائل مسلحة، بل امتدت إلى تجمعات مسيحية كانت حتى وقت قريب تعتبر محمية نسبياً، ما أثار مخاوف من تهجير ديموغرافي يغيّر تركيب الشريط الحدودي.
أسباب الصمود وأسباب الرحيل
يرتبط صمود كثيرين بـالذاكرة التاريخية والارتباط بالأرض والرغبة في الحفاظ على وجود مسيحي في الجنوب، بينما تدفعهم عوامل مادية وأمنية إلى الرحيل: خسارة مصادر الرزق، تكرار الإنذارات، وتضرر البنى التحتية. كثيرون يصفون وضعهم بأنه «حالة طوارئ دائمة» تتطلب حلولاً فورية لا مؤقتة.
دور حزب الله وتأثيره على المدنيين
وجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية في الجنوب يجعل أي تصعيد مع إسرائيل ذا أثر مباشر على القرى. بعض السكان يربطون بين نشاطات مسلحة قرب التجمعات السكنية وتصاعد الاستهدافات، بينما يشير آخرون إلى أن فراغ الدولة في بعض المناطق يفاقم هشاشة الحماية المدنية ويترك المدنيين عرضة لسياسات ميدانية قد تؤدي إلى نزوحهم.
استجابة محلية ودور الكنيسة
بلديات وقيادات محلية نظمت نزوحاً منسقاً وإيواء داخل العمق اللبناني، واعتمدت شبكات تضامن لتأمين ممرات آمنة ومساعدات عاجلة، لكن هذه التدابير تبقى مؤقتة ولا تعالج الخطر الاستراتيجي لفقدان المنازل والرزق. البطاركة الكاثوليك والأرثوذكس والكنائس المحلية رفعوا صوتهم إنسانياً ودبلوماسياً، ووجهت أصوات رسمية ودعوات محلية إلى الكرسي الرسولي والفاتيكان لفتح قنوات دبلوماسية تضغط من أجل ضمانات حماية الوجود المسيحي.
ماذا يطالب السكان والقادة المحليون؟
- حماية مدنية فعّالة من الدولة والمؤسسات الدولية.
- إبعاد أي نشاطات مسلحة عن محيط القرى غير المسلحة.
- خطط لإعادة النازحين بأمان ودعم اقتصادي لإعادة الحياة إلى القرى.
قادة محليون يؤكدون أن الحل لا يمرّ إلا بتضافر داخلي ودولي، وأن الضغوط الدبلوماسية، بما فيها القنوات الفاتيكانية، قد تساهم في خلق مساحة حماية سياسية للوجود المسيحي.
حماية حقيقية
صمود مسيحيي الجنوب هو مزيج من إرث تاريخي وكرامة شخصية، لكنه يواجه اختباراً عملياً: إما حماية حقيقية تضمن بقاءهم على أرضهم، أو نزوح يغيّر وجه الجنوب. الحل يتطلب إجراءات أمنية وسياسية وإنسانية متزامنة، وضغطاً دبلوماسياً واضحاً لحماية المدنيين ووقف أي محاولات تهجير قد تترك أثرها على النسيج الاجتماعي للبنان.













03/10/2026 - 12:46 PM





Comments