جنوب لبنان – تحقيق جورج ديب
استُشهد كاهن بلدة القليعة الجنوبية، الأب بيار الراعي، وأُصيب عدد من الأهالي جراء قصف إسرائيلي استهدف البلدة في قضاء مرجعيون، في مشهد جديد يعكس اتساع رقعة التصعيد العسكري في جنوب لبنان، ويفتح جرحًا آخر في منطقة اعتادت أن تدفع ثمن ثباتها.
لم يكن الأب بيار الراعي مجرد كاهن يخدم رعيته، بل كان أحد وجوه الصمود اليومي. رجلًا يعرف أنّ الراعي الحقيقي لا يترك خرافه، وأن الأرض التي وُلد عليها ليست مساحة جغرافية فحسب، بل عهد ومسؤولية ورسالة. ولهذا، حين دوّى القصف الأول وأصاب منزلًا في المنطقة الجبلية التابعة لرعيته، لم يتردّد لحظة. سارع مع عشرات الشبان لمساعدة المصاب، كعادته في أن يكون أول الواصلين إلى الوجع.
لكنّ القصف الثاني كان أسرع من خطواته. استهدف المنزل نفسه، فأصاب الأب بيار إصابة بالغة. نُقل إلى أحد مستشفيات المنطقة، لكنه فارق الحياة عند بابها تقريبًا، إلى جانب إصابة كل من الياس بولس، بول فارس، وليليان السيد. وكأن القدر أراد أن يختتم رسالته على الطريق، بين الناس الذين أحبّهم وخدمهم حتى النفس الأخير.
كان في الخمسين من عمره فقط، لكنه حمل من النضج الروحي ما يكفي ليكون أبًا لجيل كامل، ومن الشجاعة ما يكفي ليكون جدارًا لأهله في زمن الخوف.
الأب توفيق، الكاهن الفرنسيسكاني الذي روى تفاصيل اللحظات الأخيرة، وصف ما حدث بأنه "رواية مأساوية ومؤلمة"، مؤكدًا أن الأب بيار كان «سندًا حقيقيًا للمسيحيين في المنطقة»، ورجلًا لم يعرف يومًا معنى التراجع. كان دائمًا إلى جانب أهله، خصوصًا في تمسّكه بالبقاء رغم التحذيرات المتكررة بالإخلاء التي يطلقها الجيش الإسرائيلي.
وكان الأب بيار يردّد بثقة تشبه صلاة: "صامدون ولن نغادر… نحن مشاريع شهادة ولن نترك أرضنا".
هذه الكلمات لم تكن تصريحًا إعلاميًا، بل خلاصة حياة. كانت وصيّة. كانت إعلانًا لإيمان يتجسّد في الموقف لا في الخطاب. كان يعرف أنّ الكاهن لا يترك مذبحه، وأن مذبحه هو الناس، وأن الصليب ليس رمزًا يُعلّق، بل طريقًا يُسلك.
استُشهد الأب بيار الراعي وهو يفعل ما فعله طوال حياته: يركض نحو الخطر ليحمي الآخرين. سقط وهو واقف، مثل شجرة لا تنحني للعاصفة. سقط وهو يثبت أنّ المحبة أقوى من الخوف، وأن الراعي الحقيقي لا يهرب من رعيته، حتى لو كان الموت ينتظره عند الباب.
اليوم، تبكي القليعة كاهنها، لكنها تعرف في عمقها أنّه لم يرحل.
صار جزءًا من ترابها، وصوتًا من أصواتها، ونورًا يرافق أبناءها في ليالي الخوف.
صار شاهدًا على أنّ الإيمان ليس كلمات، بل حياة تُبذل حتى النهاية.
الأب بيار الراعي…
لم يمت.
بل صار جزءًا من ترابٍ صار أقدس لأنه احتضن شهيد محبة، وجزءًا من ذاكرة وطنٍ يعرف أن الشجاعة ليست صراخًا، بل ثباتًا صامتًا يشبه صلاة.













03/09/2026 - 10:11 AM





Comments