
بيروت – تحقيق إخباري من إعداد الإعلامي جورج ديب
كشفت معلومات متقاطعة، استناداً إلى ما بثّته قناة "الجديد"، عن تفاصيل عملية إنزال إسرائيلية معقّدة نُفّذت عند الساعة السادسة مساءً في بلدة النبي شيت القريبة من بعلبك، تزامناً مع وقت الإفطار، وبعد دقائق من توجيه إنذار عاجل للسكان بإخلاء المنطقة ومحيطها. وتشير المعطيات إلى أن قوة إسرائيلية خاصة، مؤلفة من ثمانية جنود، وصلت إلى البلدة بواسطة آلية مدنية، وكان عناصرها يرتدون بزّات مماثلة تماماً لزيّ الجيش اللبناني، في محاولة واضحة للتمويه وتسهيل الحركة داخل المنطقة الحساسة.
وبحسب المعلومات، ترجّلت القوة قرب مقبرة آل شكر، حيث باشرت عملية بحث دقيقة يُعتقد أنها كانت تستهدف العثور على جثمان الطيار الإسرائيلي المفقود رون آراد، الذي اختفى في لبنان عام 1986 ولا يزال ملفه يشكّل أحد أكثر الملفات حساسية لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وتشير التقديرات إلى أن العملية تأتي ضمن سلسلة محاولات استخباراتية متواصلة منذ عقود، تسعى من خلالها إسرائيل إلى الحصول على أي أثر مادي أو معلومة جديدة حول مصير آراد.
ولم تتضح بعد كيفية انكشاف أمر القوة، إلا أن اشتباكاً وقع في محيط المقبرة، ما استدعى تدخّل الطيران الحربي الإسرائيلي بشكل مباشر لتأمين غطاء ناري يسمح بانسحاب القوة. كما وصلت مروحيات إسرائيلية إضافية لتقديم الإسناد الجوي، قبل أن تتمكن القوة من الانسحاب من دون وقوع أي عنصر منها في الأسر، وفق ما تؤكده المعلومات الأولية. وحتى اللحظة، لا توجد معطيات حاسمة حول ما إذا كانت القوة قد تمكنت من استخراج أي بقايا أو أدلة مرتبطة بملف آراد.
عملية تتجاوز حدود البلدة… ودلالاتها أعمق من الهدف المعلن
لا يمكن النظر إلى العملية بوصفها مجرد محاولة تقنية للبحث عن رفات مفقود منذ ثمانينيات القرن الماضي. فالعملية، بتوقيتها وطريقة تنفيذها، تحمل رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حدود النبي شيت. إسرائيل، التي تواجه جبهات مفتوحة من غزة إلى الجنوب اللبناني، تبدو في حاجة إلى إثبات قدرتها على تنفيذ عمليات دقيقة داخل مناطق تعتبرها “بيئة معادية”، وإظهار أن جهازها الأمني ما زال قادراً على العمل خلف خطوط الخصم رغم الظروف الإقليمية المتفجرة.
الرسالة الأولى موجّهة إلى الداخل الإسرائيلي، حيث يشكّل ملف رون آراد جرحاً مفتوحاً في الوعي القومي، وتستخدمه الحكومات المتعاقبة كرمز لالتزام الدولة تجاه جنودها. أما الرسالة الثانية فموجّهة إلى حزب الله، ومفادها أن إسرائيل قادرة على اختراق العمق اللبناني في أي لحظة، وأن قواعد الاشتباك قابلة للاهتزاز إذا اقتضت الحاجة.
السياق الإقليمي: تصعيد متعدد الجبهات
تأتي العملية في لحظة إقليمية شديدة التوتر، حيث تتصاعد المواجهة بين إسرائيل ومحور المقاومة، وتتداخل ساحات الاشتباك من غزة إلى البحر الأحمر، مروراً بسوريا والعراق ولبنان. وفي ظلّ الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، والاشتباكات اليومية على الحدود اللبنانية، تبدو أي عملية ميدانية جزءاً من لوحة أكبر، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاستخباراتية والسياسية.
في هذا الإطار، قد تكون العملية محاولة لجمع معلومات حساسة، أو اختباراً لقدرة حزب الله على كشف التسلل، أو حتى خطوة استباقية في ظلّ الحديث المتزايد عن احتمال توسّع الحرب. كما قد تكون جزءاً من استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إعادة فتح ملفات قديمة في لحظات التوتر، سواء لتحقيق مكاسب داخلية أو لفرض ضغوط إضافية على خصومها.
لماذا يعود ملف رون آراد الآن؟
عودة الملف ليست مصادفة. فإسرائيل تعيد فتحه كلما دخلت مرحلة سياسية أو عسكرية حرجة. آراد لم يعد مجرد طيار مفقود، بل ورقة ضغط تُستخدم في الداخل والخارج، ورمز لالتزام الدولة تجاه جنودها. وفي ظلّ الانتقادات الداخلية التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية، قد تكون العملية محاولة لتحقيق إنجاز يُقدَّم للرأي العام، أو لإعادة توجيه الأنظار نحو ملف يثير تعاطفاً واسعاً داخل المجتمع الإسرائيلي.
انعكاسات مباشرة على لبنان وحزب الله
من الناحية اللبنانية، تكشف العملية عن مستوى خطير من الجرأة الإسرائيلية في تنفيذ عمليات داخل مناطق حساسة، ما يطرح أسئلة حول الثغرات الأمنية، وحول احتمال تكرار عمليات مشابهة في المستقبل. أما بالنسبة لحزب الله، فالعملية تمثّل تحدياً مباشراً لقدراته الأمنية، وقد تدفعه إلى تعزيز إجراءاته الميدانية، وربما الرد بطريقة غير مباشرة لإعادة تثبيت قواعد الاشتباك.
حرب استخباراتية مفتوحة
العمليات من هذا النوع لا تُنفّذ إلا بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة، أو على الأقل مؤشرات قوية. وهذا يعني أن إسرائيل قد تكون حصلت على معطيات جديدة حول مكان دفن آراد، أو أنها أرادت اختبار صحة معلومات متداولة. وفي كلتا الحالتين، فإن العملية تكشف عن استمرار الحرب الاستخباراتية بين إسرائيل وحزب الله، وهي حرب لا تقل خطورة عن المواجهات العسكرية المباشرة، بل قد تكون أكثر تأثيراً في تحديد مسار المرحلة المقبلة.
عملية الإنزال في النبي شيت ليست حدثاً معزولاً، بل جزء من مشهد إقليمي متشابك تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والاستخباراتية. إسرائيل أرادت أن تقول إنها ما زالت قادرة على الوصول إلى أي نقطة في لبنان، وحزب الله تلقّى الرسالة لكنه يدرك أن الردّ لا يكون بالضرورة في المكان نفسه أو بالطريقة نفسها. وفي ظلّ تصاعد التوتر الإقليمي، قد تكون هذه العملية مقدمة لمرحلة أكثر حساسية، حيث يصبح كل تحرك ميداني جزءاً من معادلة أكبر تُرسم على مستوى المنطقة بأكملها.
* من هو الطيار رون آراد؟













03/06/2026 - 20:13 PM





Comments