لبنان: غارات إسرائيلية على معقل لحزب الله تهجّر آلافاً في ضاحية بيروت الجنوبية

03/06/2026 - 09:59 AM

Bt adv

 

 

تحقيق من اعداد جورج ديب

الغارات الإسرائيلية المكثّفة على الضاحية الجنوبية لبيروت، المعقل الأبرز لحزب الله، أدّت إلى موجة نزوح واسعة تجاوزت خمسةً وتسعين ألف شخص خلال ساعات قليلة، في واحدة من أكبر عمليات التهجير الداخلي التي يشهدها لبنان منذ حرب تموز 2006. ومع تصاعد القصف وتكرار التحذيرات بالإخلاء، تحوّلت الأحياء المكتظّة إلى شوارع خالية يخيّم عليها الدخان والغبار، فيما تردّد صدى الانفجارات في مختلف أنحاء العاصمة، لتبدو الضاحية وكأنها تُفرغ من سكانها دفعة واحدة تحت وطأة الخوف والدمار.

المشاهد الأولى للنزوح عكست حجم الصدمة التي عاشها الأهالي. عائلات خرجت على عجل، تحمل ما استطاعت من أمتعة، فيما ترك آخرون منازلهم بلا شيء سوى أطفالهم. سيارات محمّلة بالحقائب تسدّ الطرقات، وأشخاص يركضون سيراً على الأقدام بحثاً عن مخرج آمن، بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تحلّق على علو منخفض وتنفّذ ضربات متتالية طالت مباني سكنية ومحالّ تجارية وشوارع رئيسية. وفي بعض الأحياء، انهارت أبنية كاملة، وارتفعت أعمدة الدخان فوق المنطقة، ما زاد من حالة الهلع ودفع المزيد من السكان إلى المغادرة.

توزّع النازحون على مناطق مختلفة من العاصمة، أبرزها بيروت الغربية والجبل، فيما تحوّلت ساحات عامة مثل ساحة الشهداء إلى ملاجئ مفتوحة استقبلت مئات العائلات التي افترشت الأرض في ليلة باردة بلا مأوى أو طعام أو أغطية. في تلك الساحة، بدت ملامح المأساة واضحة: أطفال ينامون على بطانيات رقيقة، نساء يبكين بصمت، رجال يحاولون الاتصال بأقاربهم للاطمئنان على من بقي تحت القصف. بعض العائلات وصلت بسياراتها، فيما وصل آخرون سيراً على الأقدام بعد أن تعطّلت مركباتهم أو لم يتمكنوا من الوصول إليها بسبب الركام.

شهادات النازحين كشفت عمق المأساة الإنسانية. إحدى الأمهات قالت إنها لم تأخذ من منزلها سوى أطفالها، مؤكدة أن “البيت يُبنى من جديد، لكن الولد إذا راح ما بيرجع”. رجل مسنّ استعاد ذكريات تهجير 1982 و2006 قائلاً إن العمر مضى بين حرب وأخرى، بينما روى شاب كيف انهار المبنى المجاور لمنزله بعد دقائق من التحذير، ما دفعه إلى حمل والدته المسنّة والنزول بها على الدرج وسط الظلام والدخان.

ورغم تأكيد إسرائيل أن ضرباتها تستهدف مواقع عسكرية لحزب الله، إلا أن الواقع على الأرض يُظهر أن المدنيين هم الأكثر تضرراً، وأن الضاحية، بما تمثّله من كثافة سكانية، تدفع ثمناً باهظاً في هذه المواجهة. فقد طالت الغارات مباني سكنية مكتظة، ما أدى إلى سقوط ضحايا وجرحى، وإلى تدمير واسع في البنية التحتية، بما في ذلك شبكات الكهرباء والطرقات والمحال التجارية. كما أدّى القصف إلى انقطاع الاتصالات في بعض المناطق، ما صعّب عمليات الإنقاذ والتواصل بين الأهالي.

ومع استمرار القصف واتساع رقعته، ترتفع المخاوف من انزلاق لبنان إلى حرب شاملة، خصوصاً بعد إعلان الجيش الإسرائيلي بدء حملة واسعة ضد مواقع الحزب في بيروت وجنوب البلاد. هذا التصعيد يضع لبنان أمام تحديات أمنية وإنسانية كبيرة، في وقت يعاني فيه أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة جعلت قدرته على الاستجابة محدودة للغاية. المستشفيات تعمل تحت ضغط كبير مع ارتفاع عدد الجرحى، فيما ازدحمت الطرقات بالسيارات الهاربة من مناطق الخطر، وأغلقت معظم المحال التجارية أبوابها خوفاً من توسّع الضربات.

ورغم المشهد القاتم، برزت مبادرات فردية وجماعية لمساعدة النازحين. متطوّعون وزّعوا الطعام والمياه، وعائلات فتحت منازلها لاستقبال المتضررين، فيما ارتفعت الصلوات في الكنائس والمساجد طلباً للسلام. هذه المبادرات عكست روح التضامن التي لطالما ميّزت اللبنانيين في الأزمات، رغم الظروف الصعبة التي يعيشها البلد.

الغارات على الضاحية الجنوبية ليست مجرد حدث عسكري، بل جرح إنساني عميق في ذاكرة مدينة اعتادت أن تُدمَّر ثم تنهض. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو مدى قدرة لبنان على النهوض مجدداً وسط هذا الدمار الكبير، وما إذا كان بإمكانه استعادة شيء من الاستقرار في ظلّ تصعيد قد يمتدّ إلى مناطق أخرى. وبين دمار الأبنية ودموع النازحين، يبقى الأمل معلّقاً على وقف التصعيد وعودة الأهالي إلى بيوتهم، وعلى أن يجد هذا البلد الصغير طريقه إلى سلام طال انتظاره.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment