بيروت، جنوب لبنان - تقرير اخباري من اعداد جورج ديب
لم تكن ليلة الإخلاء في الضاحية الجنوبية والجنوب مجرد حدث أمني عابر، بل كانت واحدة من أكثر اللحظات الإنسانية قسوة في ذاكرة اللبنانيين منذ سنوات طويلة. لحظة واحدة فقط كانت كافية لتغيير شكل الشوارع، وإرباك المدن، ودفع آلاف العائلات إلى الخروج من منازلها تحت ضغط الخوف، تاركين وراءهم كل ما يملكون، وكل ما اعتقدوا يومًا أنه ثابت لا يهتز. كان المشهد أكبر من قدرة أي شخص على استيعابه، وأعمق من أن يُختصر في وصف سريع. إنها قصة بشر، ووجوه، ودموع، وقلوب خائفة تبحث عن ملجأ، وعن لحظة أمان مؤقتة في بلد لم يعرف الهدوء منذ زمن.
منذ اللحظة الأولى لصدور الإنذار الإسرائيلي، تغيّر كل شيء. لم يعد الليل ليلًا، ولا الشوارع شوارع. تحوّلت الضاحية إلى كتلة بشرية تتحرك دفعة واحدة، كأنها جسد واحد يشعر بالخطر نفسه. خرج الناس من منازلهم على عجل، بعضهم لم يأخذ شيئًا سوى أولاده، وبعضهم حمل حقيبة صغيرة فيها أوراق ضرورية أو ثياب تكفي ليوم واحد. آخرون خرجوا بلا شيء، فقط يريدون النجاة. السيارات تكدّست بسرعة، والطرقات امتلأت بأشخاص يسيرون على الأقدام، يحملون أطفالًا نائمين أو كبار سنّ لا يستطيعون المشي وحدهم. كان المشهد أقرب إلى نزوح جماعي مفاجئ، لا يشبه أي شيء عاشه اللبنانيون في السنوات الأخيرة.
في إحدى زوايا الطريق، كانت امرأة في الأربعين من عمرها تحمل طفلين، أحدهما يبكي والآخر نائم على كتفها. قالت بصوت متقطع: «ما أخدت شي من البيت… ما قدرت. بس ولادي أهم من كل شي». خلفها كان زوجها يحاول فتح الطريق بسيارته وسط الزحمة الخانقة، فيما كانت أصوات أبواق السيارات تختلط بصراخ الناس وبكاء الأطفال. لم يكن أحد يعرف إلى أين يذهب، ولا ما إذا كان المكان الذي يقصده سيكون آمنًا فعلًا.
شاب من حارة حريك كان يقود سيارته ببطء شديد وسط الفوضى قال: «مش أول مرة منعيش خوف… بس هالمرة غير. الإنذار كان واضح، والناس كلها نزلت دفعة وحدة. ما حدا فهم شي، بس الكل عم يهرب». كان وجهه شاحبًا، وعيناه تراقبان الطريق وكأنهما تبحثان عن مخرج غير موجود. خلفه كانت عائلة أخرى تجلس داخل سيارة صغيرة، الأم تحتضن طفلها وتهمس له بكلمات تهدئة، بينما الأب يحاول الاتصال بأقاربه في بيروت ليجد مكانًا يقيمون فيه.
وفي الجنوب، حيث كانت الغارات أشدّ وأكثر عنفًا، كان المشهد أكثر قسوة. نازح من الخيام قال وهو يقف على جانب الطريق: «سمعنا صوت الانفجار قريب… ما فكرنا. حملنا حالنا وطلعنا. الطريق كانت مليانة عالم، كأنو الكل عم يهرب من نفس المصيبة». خلفه كانت سيارة محمّلة بأغراض بسيطة: بطانية، حقيبة صغيرة، وبعض الطعام. قال الرجل: «ما بعرف لوين رايحين… بس المهم نبتعد شوي عن الخطر».
ورغم الفوضى والخوف، ظهرت لحظات إنسانية مؤثرة. شبّان من بيروت وقفوا على الطرقات يوزّعون مياهًا على العائلات العالقة في الزحمة. آخرون عرضوا نقل كبار السن مجانًا بسياراتهم. بعض سكان العاصمة فتحوا أبواب منازلهم لاستقبال النازحين، خصوصًا العائلات التي لديها أطفال أو مرضى. في إحدى الساحات، جلست عائلة من الجنوب على الرصيف، الأب يحتضن طفله الصغير ويقول: «ما بدنا شي… بس بدنا نرجع بسلام. بدنا نعيش».
التقارير الحقوقية تشير إلى أن موجة النزوح الأخيرة تُعدّ الأكبر منذ سنوات، بعدما شملت الغارات الإسرائيلية مناطق سكنية في الضاحية والجنوب، وأدّت إلى نزوح آلاف العائلات نحو بيروت والمناطق الشمالية. الإنذار الإسرائيلي الذي سبق الغارات زاد من حالة الهلع، ودفع الناس إلى المغادرة فورًا خوفًا من توسّع العمليات العسكرية. بعض العائلات خرجت بسياراتها، وبعضها الآخر خرج سيرًا على الأقدام، فيما لجأت عائلات كثيرة إلى المدارس والمساجد والحدائق العامة.
الأطفال كانوا الأكثر تأثرًا بهذه اللحظة. في إحدى السيارات، كانت طفلة صغيرة تبكي بلا توقف، بينما تحاول والدتها تهدئتها. قالت الأم: «ما عم تفهم شو عم يصير… بس حاسة بالخوف». طفل آخر كان يسأل والده: «ليش عم نهرب؟» ولم يجد الأب جوابًا سوى: «لأنو لازم نروح لمحل آمن». في مركز إيواء مؤقت في بيروت، كان عشرات الأطفال يجلسون على الأرض، بعضهم يبكي، وبعضهم ينظر حوله بذهول، وكأنهم يحاولون فهم العالم الجديد الذي وجدوا أنفسهم فيه فجأة.
النازحون لم يعبّروا فقط بالخوف، بل بالغضب أيضًا. امرأة خمسينية قالت وهي تحمل كيسًا صغيرًا: «ما رح نترك أرضنا… بس الليلة بدنا ننام بمحل آمن. بكرا منرجع». شاب آخر قال: «نحنا مش أرقام… نحنا ناس إلنا بيوت وذكريات. بس الحرب ما عم تترك لحدا خيار». رجل مسنّ كان يجلس على كرسي بلاستيكي أمام مدرسة تحوّلت إلى مركز إيواء قال: «تهجّرنا قبل… وعم نتهجّر اليوم. بس ما رح نترك بلدنا».
في بيروت، كانت الشوارع مكتظة بالسيارات القادمة من الجنوب والضاحية. الفنادق الصغيرة امتلأت بسرعة، وكذلك الشقق المفروشة. بعض أصحاب المنازل عرضوا استقبال عائلات مجانًا، بينما استغل آخرون الوضع ورفعوا الأسعار بشكل كبير. في إحدى الحدائق، كانت عائلة من خمس أفراد تجلس على بطانية صغيرة، الأم تحاول إطعام طفلها، والأب يتحدث عبر الهاتف بحثًا عن مكان يبيت فيه. قال: «ما بدنا نضل هون… بس ما عم نلاقي محل. كل شي مليان».
ورغم كل هذا الألم، كان هناك شعور خفي بالتماسك. الناس كانوا يساعدون بعضهم البعض، يواسون بعضهم البعض، ويتشاركون الطعام والماء. في إحدى الزوايا، كانت مجموعة من الشبان توزع وجبات ساخنة على النازحين. قال أحدهم: «هول أهلنا… ما فينا نتركهم». في مركز إيواء آخر، كانت معلمة متطوعة تحاول تنظيم نشاط صغير للأطفال لتخفيف خوفهم. قالت: «الأطفال أكتر ناس عم يتأثروا… لازم نلهيهم شوي».
لحظة الإخلاء لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت جرحًا مفتوحًا كشف هشاشة الناس وقوتهم في آن واحد. النازحون حملوا معهم خوفهم، لكنهم حملوا أيضًا كرامتهم وإصرارهم على النجاة. كانوا يمشون في الشوارع بوجوه متعبة، لكن بعيون تقول إنهم لن يستسلموا. كانوا يهربون من الخطر، لكنهم لم يهربوا من حبهم لأرضهم.
في النهاية، تبقى قصة النزوح هذه قصة إنسانية قبل أن تكون خبرًا. قصة عائلات تبحث عن الأمان، وأطفال يحاولون فهم عالم يتغير بسرعة، وناس يواجهون الخوف بشجاعة صامتة. إنها قصة بلد يعيش على حافة الخطر، لكنه لا يزال يجد في قلبه مساحة للأمل، وللتضامن، وللإنسانية التي تظهر دائمًا في أصعب اللحظات.













03/05/2026 - 15:59 PM





Comments