ناس السودان وثمن الحرب ( 5)

12/08/2025 - 17:45 PM

Arab American Target

 

الحلقة الخامسة.....

 

تحقيق اخباري في عدة حلقات من اعداد عادل سليمان

 

نشرت الحلقة الاولى على الرابط التالي: https://beiruttimes.com/article/50722

نشرت الحلقة الثانية على الرابط التالي: https://beiruttimes.com/article/50742

نشرت الحلقة الثالثة على الرابط التالي: https://beiruttimes.com/article/50782

نشرت الحلقة الرابعة على الرابط التالي: https://beiruttimes.com/article/50832

 

"أزمة الإعلام وإعلام الأزمة"

 

خلال جميع الحوارات التي أجريتها في السودان، سواء مع المسؤولين، أو المواطنين، أو ضحايا الحرب في مخيمات اللاجئين، كان هناك تركيز بشكل خاص على استهداف الدعم السريع المتعمد للهوية، وعلى كل ما يحمل رموزًا وطنية في السودان. سمعنا وشاهدنا كيف نُهب المتحف الوطني، ودُمِّرت وسُرِقت كثير من آثاره، كما دُمِّرت وحُرِقت معظم المؤسسات الثقافية والإعلامية في الخرطوم وأم درمان، وسمعنا كذلك شهادات للناجين من عمليات القتل الجماعي في دارفور، بأن قوات الدعم السريع كانت تستهدف بشكل خاص المحامين والناشطين وحاملي صوت قبائلهم للتخلص منهم والتمثيل بجثثهم، باعتبارهم رموزًا وطنية، كما شاهدنا، في فيديو صادم للغاية، التمثيل بجثة والي غرب دارفور خميس عبد الله أبكر في “مذبحة” الجنينة في يونيو من عام 2023.

وأثناء زيارتنا للمبنى الرئيسي للإذاعة والتلفزيون في أم درمان، لم تكتفِ قوات الدعم السريع بتدمير المبنى والاستوديوهات، بل جمعت آلاف الشرائط الإذاعية والتلفزيونية والأفلام وأحرقتها، وهي تمثل الأرشيف الوطني للسودان وذاكرته ووجدانه. ووقفت للحظات أمام ما احترق وما تبقى من هذه الشرائط، أستمع إلى مرافقنا وهو يصف ما فيها من كنوز لا تُعوَّض؛ من لقاءات نادرة مع رموز السودان في كل المجالات، وأغانٍ من كل لون شكّلت وجدان الشعب عبر السنوات، ومئات الأفلام التي رصدت تطور المجتمع وقضاياه المختلفة، وغيرها من فنون إبداعية شكّلت جزءًا أصيلًا من تراث شعب السودان وتاريخه وهويته، وقد تم حرقها عمدًا.

وحرص مرافقونا على أن ندخل إلى إحدى الغرف الصغيرة في مقدمة المبنى حيث حُوِّلت إلى سجن للمواطنين في أم درمان، بعد القاء القبض عليهم في الشوارع، والزج بهم في الغرفة الضيقة، وتكدسوا فيها حتى فاق عددهم الأربعين شخصًا في مساحة لا تتسع لهذا العدد إلا وقوفًا، وكانت بقايا الملابس الممزقة والفضلات ما زالت متناثرة في أرضية الغرفة بشكل يرسم صورة حية لمعاناة من حُشروا هنا في هذا السجن الصغير، حتى إن مرافقنا أشار إلى زخم الجو في الحجرة وقال: “هل تشمون رائحة البشر هنا، فهي ما زالت عالقة تزكم الأنوف”.

وخلال لقائنا مع وزير الإعلام والثقافة السيد خالد الإعيسر، قال إن “استهداف جميع الشبكات الرئيسية، بما في ذلك الشبكات الإعلامية الخاصة والمحطات المستقلة، وتدمير الثقافة والمتاحف، يشير إلى أجندة خفية لاستبدال شعب السودان، ولمحو تاريخه وهويته، وإن خطتهم هي إنشاء سودان جديد بالكامل من أشخاص قادمين عبر الحدود”.

وأضاف السيد الوزير أن أجندة الإمارات هي محو الأمة السودانية و«استبدال التاريخ السوداني». وأعطى مثالًا بوكالة الأنباء السودانية (سونا)، التي تأسست عام 1970، كان لديها أكبر مبنى في الخرطوم ونحو 300 جهاز كمبيوتر. أما الآن فليس لديهم إلا جهازان فقط. «لقد فقدوا كل شيء في هجمات قوات الدعم السريع، وسيتعين عليهم إعادة بناء القطاع الإعلامي بأكمله من الصفر».

كما أشار إلى الدمار الكبير الذي لحق بمقدرات السودان في ربوع البلاد المختلفة، وقال إن عدد المصانع التي دُمِّرت وصل، في مسح أوليّ، إلى 1877 مصنعًا منتجًا.

وبعد لقائنا بوزير الإعلام والثقافة، دُعيت لعمل لقاء في مبنى الإذاعة والتلفزيون المؤقت في بورتسودان، والتقيت بالمدير العام للإذاعة والتلفزيون، السيد إبراهيم محمد البزعي. شرح لي أن المبنى المؤقت الذي تبث منه الإذاعة والتلفزيون برامجها الآن من بورتسودان هو مبنى صغير غير مهيئ، وحُوِّلت غرفه الضيقة إلى مكاتب لعمل الموظفين والصحفيين الذين لم يتبقَّ منهم سوى اثني عشر عاملًا من أصل ألف موظف، كانوا يشكّلون الطاقة العاملة في جهاز الإذاعة والتلفزيون الوطني في أم درمان قبل الحرب، وتصورت أنهم بهذه الإمكانات القليلة، والعدد المحدود من العاملين، قد قلصوا بثهم إلى عدد محدد من الساعات في اليوم، ولكن السيد إبراهيم قال لي، ببساطة، إنهم يبثون برامجهم على مدار الساعة.

الإعلام السوداني يواجه أزمة ككل قطاعات الدولة الحيوية التي دُمِّرت في الحرب، ولكن الدور الهام المنوط به في وقت الأزمات دور أساسي لا بديل له، وهو العمل مع الناس مباشرة لمساعدتهم على التغلب على أهوال الحرب والدمار ونقص الغذاء والدواء والمكان الآمن، وذلك من خلال برامج طوارئ خاصة تنسق مع كل الجهات المعنية الحكومية وغيرها من المنظمات الأهلية والإنسانية، محلية ودولية، لتسهيل الحصول على المساعدات العاجلة، وتقديم المعلومات والنصائح والإرشادات التي تعينهم على البقاء على قيد الحياة، كما توفر لهم منصة للتواصل مع ذويهم ومع بعضهم البعض للمشاركة والتضامن في أوقات الأزمات، وهو دور لا يضطلع به إلا الراديو، حين تنقطع سبل تلقي أي بث آخر لوسائل إعلامية تعتمد على شبكة اتصالات سليمة لا تتوفر في وقت الحرب.

وقد لا يعلم الكثيرون أن الذي أعاد بث إذاعة بي بي سي على الهواء بعد إغلاقها هو الحرب في السودان، بعد أن أدركت المؤسسة ضرورة بث برامج خدمة طوارئ لشعب السودان، وأن الراديو هو الوسيلة الوحيدة القادرة على الوصول إلى الناس في وقت الحرب، وقد انطلقت بالفعل خدمة طوارئ خاصة من إذاعة بي بي سي بعنوان “للسودان سلام” بعد اندلاع الحرب بأقل من ثلاثة أسابيع، بهدف توفير منصة لكل من تضرر من الحرب، وتوظيف المعلومات لمساعدة ودعم الناس بكل طريقة ممكنة، في أوقات الحرب والفقد والتشرد والضرر، وهو أسمى دور يمكن للإعلام أن يقوم به، بعيدًا عن السياسة وأهوائها.

السودان في أوضاعه الحالية، في أشد الحاجة إلى هذا النوع من البرامج الخدمية، وهو تحدٍّ كبير في مجتمع متنوع ومتعدد الأعراق والديانات والثقافات واللهجات، ولكنهم بدأوا بالفعل، كما ذكر وزير الإعلام والثقافة، بإمكانات متواضعة وبجهد كبير، في تقديم برامج خاصة لدعم الأطفال والطلاب، كما بدأوا في تدريب الصحفيين والمذيعين في دول الجوار.

 

وللحديث بقية….

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment