ناس السودان وثمن الحرب (4)

12/07/2025 - 05:51 AM

Prestige Jewelry

 

 

الحلقة الرابعة.....

 

تحقيق اخباري في عدة حلقات من اعداد عادل سليمان

 

نشرت الحلقة الاولى على الرابط التالي: https://beiruttimes.com/article/50722

نشرت الحلقة الثانية على الرابط التالي: https://beiruttimes.com/article/50742

نشرت الحلقة الثالثة على الرابط التالي: https://beiruttimes.com/article/50782

 

" إنهم يطلقون النار حتى على المومياوات في المتحف "

 

اقتربنا من العاصمة الخرطوم التي شهدت اندلاع الشرارة الأولى لهذه الحرب، وأشدّ معاركها ضراوة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وصلنا أولا إلى مدينة "شندي" التي تبعد حوالي ساعة ونص بالسيارة عن العاصمة المثلثة. أول ما يلفت النظر هو المساحات الخضراء الشاسعة على مرمي البصر، بخلاف الرمال والصحراء والجدب الذي شاهدناه طوال الطريق.

مدينة شندي تقع في محيط ولاية نهر النيل، حيث فاض عليها النيل بخيراته ومنحها حياة غنية بالزراعة وكل ماتنتجه الارض من ثمار وخضروات وفاكهة. وعندما رأيت بعض الصبية على الطريق وهم يحملون أكياسا مملؤة بالبرتقال والجوافة، طلبت من سائقنا نور الدين أن نتوقف لنشتري بعضا منها، لم يتمكن أي من زملاء الرحلة من الحصول على جنيهات سودانية، فالبنوك توقفت عن العمل وكذلك محلات الصرافة في زمن الحرب، لكن مرافقنا وفر علينا التفكير في النقود ونزل من سيارته وأشتري لنا ما يكفي من البرتقال والجوافة.

رائحة الجوافة العطرة النفاذة ملئت أجواء السيارة التي نستقلها حتى قبل أن نخرجها من أكياسها البلاستيكية، هذه الرائحة عادت بي إلى الماضي وذكرتني برائحة الجوافة الذكية في الإسماعيلية قبل هجرتنا لها مع حرب ٦٧، عندما كنا نلتقط حباتها، ونحن أطفالاً، بعد أن تساقطت على الأرض من أشجار الجيران، كانت رائحتها تجذبنا اليها قبل أن نراها. كان ذلك في زمن بعيد عندما كانت الارض تعطي خيراتها بشكل طبيعي قبل أن تتلوث طينتها وثمارها بأطماع الربح السريع.

ولكن هنا في مدينة شندي وغيرها من مدن الوادي التي تقع على جانبي النيل، ما زال الناس يعيشون في هذا الزمان البعيد الطيب، فليس مسموحا للمزارعين باستخدام أي مواد كيميائية في زراعتهم بهدف تسريع نمو وإنضاج الثمار، حتى المبيدات الحشرية لا تستخدم إلا للضرورة وبشكل محدود جدا لمقاومة الآفات، وهو ما جعل الأرض تحافظ على خصوبتها وبرائتها.

ولكن البراءة غابت في توزيع خيرات هذه الثروات الطبيعية مابين ولايات الشمال الغنية وولايات الجنوب الفقيرة، وكانت سببا مباشرا في صراعات الماضي والحاضر، وفي الحروب الأهلية التي أدت إلى انفصال جنوب السودان عن شمال حتى أصبح دولة مستقلة في عام 2011، بعد صراع طويل، رفع فيه الجنوبيون السلاح أمام حكومات الخرطوم المتعاقبة، متهمين أياها بالتهميش السياسي والاقتصادي سواء في السلطة أو في توزيع الموارد.

 

تركنا "شندي" واقتربنا من مشارف الخرطوم، عاصمة البلاد، وهي لمن لا يعرفها، تتكون من ثلاث مدن كبيرة، الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان، وبينهم جزيرة توتي، لذلك تسمى بالعاصمة المثلثة. و المدن الثلاث تقع على نهر النيل ويربط بينهما عدة كباري تمتد بعرض النهر.

 وحتى قبل أن ندخل الخرطوم، كانت أثار الحرب والدمار بادية على جانبي الطريق، سيارات عديدة محترقة، وأليات عسكرية معطلة ومحطمة، وطلقات النار، خلال الاشتباكات، رسمت لوحات دمار وخراب مؤلمة على جدران البيوت، على امتداد الطريق إلى الخرطوم.

بدت الشوارع خالية في مدينة مهجورة إلا من بعض أناس هنا وهناك يتحركون كأشباح في ظلام الليل في مدينة كانت قبل الحرب عامرة بكل شيء. لم يتبق من سكانها- الذين كانت تتراوح أعدادهم مابين تسعة إلى اثني عشر مليون نسمة- إلا بضعة آلاف، لم يستطيعوا مغادرتها عندما اشتعلت المدينة بالحرب، وسيطرت عليها قوات الدعم السريع. ولم يكن الخروج منها آمنا، فقد استمعت إلى شهادات من سكانها الذين غادروها إلى مدينة بورسودان، وكيف سرقت سياراتهم على نقاط التفتيش، وكذلك كل أمتعتهم، كما أومر الرجال والشباب بالزحف على الأرض إمعانا في الاهانة والخضوع. هذا إضافة إلى من أجبروا على تقديم أموالهم للسماح لهم بالخروج من المدينة.

عبرنا كوبري "الحلفاية" الذي يربط بين الخرطوم بحري وأم درمان، وكان يسمح فيه بالعبور باتجاه واحد فقط، حيث دمر الاتجاة المقابل، ولم يعد صالحا للعبور.

وصلنا إلى أم درمان ليلا، ولكنها بعكس الخرطوم كانت عامرة بالناس وبالحياة، فقد تمكن الجيش في أيام الحرب الأولى من قصف معسكر " سركاب" وهو المعسكر الرئيسي لقوات الدعم السريع في أم درمان. ونجت المدينة من الدمار إلى حد كبير.

نزلنا في شقق فندقية كانت تستخدم كمقر لقوات الدعم السريع، وقد شهدت بعض التخريب وكانت عمليات التجديد والإصلاح بادية في طلاء الجدران والأبواب والمصعد، حتى تصلح لاستقبال الضيوف من جديد.

في مطعمها بالدور الاول، استقبلتنا الموائد بصنوف من الطعام السوداني الشهي من أسماك النيل المطهوة التي يعتبرها أهل السودان أفضل من أسماك البحر الأحمر، وعبثا حاولت أن أقنعهم بعكس ذلك، وبأن أسماك البحر أفضل مذاقا من أسماك النهر! ورغم خبرتي بعالم الأسماك، باعتبار نشأتي في مدينة الاسماعلية التي تطل على القناة وبحيرة التمساح وتحفل بكل أنواع الأسماك البحرية المميزة، فقد فشلت فشلا ذريعا!

كان فريق الصحفيين القادم من لندن قد أغرم بالقهوة السودانية وأمعن في السؤال عن طريقة صنعها ونوع البن المستخدم فيها، وكلما ذهبنا إلى مكان يمكن فيه شرب القهوة كانت مطلبهم الأول.

خلال رحلتي حتى الآن سمعت الكثير من الروايات والشهادات عن قيام قوات الدعم السريع باستهداف الهوية الوطنية عن عمد في كل المدن التي سيطرت عليها عندما بدأت المواجهات والحرب.

 وفي صباح اليوم التالي من وصولنا الى أم درمان، توجهنا إلى زيارة المتحف الوطني في الخرطوم. وكان لدي اهتمام خاص بزيارة المتحف بحكم تخصصي الجامعي في قسم الآثار المصرية القديمة، وهناك مشترك كبير بين مصر والسودان خلال مراحل مختلفة من التاريخ الفرعوني.

رأينا قاعات العرض الأساسية خالية تماما من أي آثار إلا من تمثال كبير للملك طهرقا، وهو أحد ملوك الأسرة ال 25 وكان قائداً عسكريا بارزا ودافع عن مصر والسودان ضد الآشوريين اثناء فترة حكمته في القرن السابع قبل الميلاد.

عندما سألت عن باقي التماثيل والتحف في القاعة الرئيسية، قالت لي السيدة رحاب، رئيسة اللجنة المنوط بها تقدير الخسائر في المتحف، قالت لي إن كثيرا من التماثيل والتحف الأثرية كانت معبأة في صناديق مغلقة استعدادا لعمل صيانة في أقسام المتحف، وتصورت للحظة أنها بذلك قد حفظت من النهب، لكن السيدة رحاب استدركت بقولها إن وجود قطع الآثار في صناديق مغلقة سهل لقوات الدعم السريع حملها معهم قبل طردهم من المدينة، وفي تقدير أولي قالت إن حوالي الفين قطعة أثرية قد نهبت من المتحف وإن الحصر الشامل لم يتم بعد.

أما أكثر ما أدهشني فعلا، هو ما سمعته من أحد العاملين في المتحف بأن قوات الدعم السريع أطلقت النار على المومياوات في أماكن حفظها، وأصابت حوالي 25 مومياء بالضرر الشديد! والسبب؛ أن المومياوات تنتمي إلى فلول النظام السابق! ولكن بغض النظر عن الأسباب التي قد لاتصدق، فإنه تم العبث وإلحاق الضرر بهذه المومياوات، ولما سألت السيدة رحاب عن طبيعة ما حدث، قالت إنهم كانوا يبحثون في لفائف المومياوات عن أي شيء ثمين، يمكن حمله.

وقد ظهرت الآن بعض الآثار المنهوبة في بعض المزادات في الغرب، ويحاول مسؤولو المتحف استراد كل ما يظهر في المزادات والأسواق، حتى لو بشرائه ممن وقعت هذه الكنوز في حوزتهم.

وللحديث بقية.... 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment