بقلم: ألفة السلامي
سألني العديد من زملائي وأصدقائي المصريون في المهجر والعرب والأجانب عن الوضع الحالي للانتخابات البرلمانية في مصر، خاصة بعد أن قضت المحكمة الإدارية العليا مؤخراً بـإلغاء النتائج في عدد كبير من الدوائر الانتخابية في المرحلة الأولى بسبب "مخالفات جوهرية" أثرت على نزاهة العملية الانتخابية.
من المعروف أن الاسم الرسمي للبرلمان المصري هو مجلس النواب، ويتكون من نظام انتخابي مختلط يضم دوائر مخصصة لكل من نظامي القائمة والفردي. وفقًا لقانون تقسيم الدوائر الانتخابية الأخير، تم تقسيم الجمهورية إلى 143 دائرة انتخابية مخصصة للانتخاب بالنظام الفردي و4 دوائر انتخابية كبرى مخصصة للانتخاب بنظام القوائم المغلقة المطلقة. ويتألف المسار الانتخابي من مرحلتين لتجديد مجلس النواب المصري المكون من 596 مقعدا.
وحتى كتابة هذا المقال، وصل إجمالي الدوائر التي تم إلغاء الانتخابات فيها إلى 49 دائرة من إجمالي 70 دائرة في 14 محافظة بالمرحلة الأولى، من إجمالي 27 محافظة جرى تقسيمها إلى مراحل بهدف تحسين الخدمات اللوجستية وتوسيع نطاقها. وقد خرجت 5 محافظات في الصعيد بنتيجة "صفرية" في سباق الانتخابات، حيث ستشهد جولة الإعادة بجميع دوائرها، وذلك في سوهاج وقنا والوادي الجديد وأسيوط والأقصر.
وقد ارتفع العدد تباعا خلال الأيام والساعات الماضية بعد سلسلة من الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية العليا في مصر، والتي قضت ببطلان نتائج الانتخابات في عدد إضافي من الدوائر بسبب وجود مخالفات. ويجري التصويت مجددا في هذه الدوائر الملغاة أو اتخاذ الترتيبات اللازمة لذلك. وقد رفضت المحكمة أيضاً قبول 100 طعن انتخابي لزوال شرط المصلحة، بينما أحالت 59 طعناً إلى محكمة النقض لعدم الاختصاص، كونها تتعلق بدوائر تم إعلان فوز المرشحين فيها لأنها أصبحت تتعلق بأعضاء نجحوا بالفعل في حصد عضوية مجلس النواب ويحق فقط للنقض الحكم فيها.
ومن خلال متابعتي لردود فعل عدد من السياسيين والقانونيين والأحزاب، يتضح أن لديهم مخاوف كبيرة من أن جولات الإعادة في كل هذه الدوائر الملغاة قد لا تحسن من صورة البرلمان القادم لدى الناس بل على العكس ربما ترسخ اعتقادهم بأن التجاوزات الانتخابية كانت السمة الغالبة في معظم هذه الدوائر. وقد يرون ضرورة إلغاء الانتخابات جملة وتفصيلا. لكن هناك أصوات عديدة ترد على أصحاب هذا الرأي لأنه وفقا للدستور والقانون لا يجوز إلغاء العملية الانتخابية بأكملها؛ فهذا قد يدخل البلاد في ازمة دستورية بالغة التعقيد، ولا تحتاجها في هذا التوقيت بشكل قاطع حيث تشهد تحديات جسيمة منها تداعيات الاضطرابات الإقليمية على حدودها في غزة والسودان فضلا عن الصعوبات الاقتصادية لمكافحة التضخم وتحسين مناخ الاستثمار وتوفير فرص عمل وظروف معيشية أفضل.
في المقابل، يمكن للمحاكم المختصة، مثل المحكمة الإدارية العليا أو محكمة النقض، أن تصدر أحكاماً بإلغاء النتائج في دوائر انتخابية محددة إذا ثبت وجود مخالفات قانونية جسيمة أثرت على إرادة الناخبين، مثلما حدث بالفعل. وفي هذه الحالة، تلتزم الهيئة الوطنية للانتخابات بتنفيذ الحكم وإعادة الإجراءات أو الانتخابات في تلك الدوائر المحددة فقط.
ويعتبر البعض أن الإعادة كافية لتصحيح المسار الديمقراطي حتى يعكس مجلس النواب القادم إرادة الشعب ولا يشوبه أي تجاوزات. ويشيرون إلى أن حكم المحكمة الإدارية العليا يتوافق مع ما صرح به الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا من ضرورة تصحيح ديمقراطي لنتائج الانتخابات باتباع مبادئ الشفافية والنزاهة وبما يليق بالبرلمان المقبل. ومن الواضح أن التجاوزات لم تكن هينة بل مخالفات جسيمة لذلك استدعى الأمر تدخل أعلى سلطة في البلاد.
لذلك قد يكون من الضروري في سياق التصحيح الذي نادى به الرئيس المصري أن يتبع ذلك تحقيقات جدية للكشف عن مصادر الأموال المدفوعة ومحاسبة المتسببين في هذه الممارسات وقد تؤدي التحقيقات إلى بلورة برنامج إصلاح متكامل نيابي وسياسي حتى يكون البرلمان قادرا على الاضطلاع بمهمتي التشريع والرقابة، وبما يصب في مصلحة الحياة النيابية والحزبية التي تستحقها مصر صاحبة التاريخ النيابي العريق والتي تعدُّ من أقدم الدول التي عرفت الممارسة النيابية بشكلها المعاصر في المنطقة والعالم، حيث تأسس فيها مجلس شورى النواب عام 1866، كأول برلمان في المنطقة بالمعنى الحديث على يد الخديوي إسماعيل باشا، بينما سبقه أيضا عام 1824 إنشاء "المجلس العالي" من قبل محمد علي باشا، وكان مجلسًا ذا صلاحيات استشارية فقط.












12/01/2025 - 10:21 AM





Comments