روسيا وسوريا وسياسة براغماتية الهبوط الاضطراري بالمظلات

11/29/2025 - 18:53 PM

Atlantic home care

 

د. خالد زغريت

 

كانت السياسة على مدار التاريخ في ممارساتها على أيدي الحكام خروقًا فادحة للنظريات السياسية، فهم بذريعة الاستجابة للتحولات السياسية للمتغيرات والمستجدات التي تتطلبها المرحلة يجردونها من مبادئها، وأخلاقيتها بذريعة الاستجابة، و في كل تطور طارئ لنمط سياسي تترسخ لا أخلاقية السياسة.

شغلت السياسة التي انبثقت من الفلسفة الماركسية المفكرين السياسيين فترة تنوف على القرن من غير أن يكون لهذا الشغل غير جدل منقسم بين كباش ترويجي تبريري، وبين عراك تشويهي تثبيطي، وهذا الجدال كان يوازيه جدل آخر حول الفلسفة السياسية المنبثقة عن الفلسفة البراغماتية، وكانت هذه السياسة أشد خرقاً لأسس نظريتها الفلسفية في ممارسات الساسة الذين اتبعوها، فالبراغماتية في أصول مرتكزاتها الفلسفية ترى أن " معنى الأفكار، وقيمتها تكمن في نتائجها العملية، وتأثيرها في التجربة الواقعية، بدلاً من الاعتماد على النظريات المجردة"

 بمعنى أدق هي فلسفة تولي الأهمية للنفعية، تمتلك من الضبابية ما تموه الحقائق.

 ظهرت البراغماتية في الولايات المتحدة عام 1870، على يد مؤسسيها: " تشارلز ساندرز بيرس وويليام جيمس وجون ديوي" ودفع هؤلاء في تنظيراتهم إلى النتائج العملية النفعية للأفكار بتجريد مطلق من أية مبادئ أو قيم أو أخلاق تعوق تحقيق النفع . وهي بتعبير " يليام جيمس ليست رصد ما هو حقيقي"، بل خلقه وإبداعه في شكل عملي. وهو يرى أن الفلسفة بوصفها نظرية في السياسة عملية "صراع بين شتى الأمزجة الفردية" بدءاً بأكثرها "رهافة" (العقلية) وصولاً إلى الأكثر "همجية" (التجريبية).

 الحقيقة أن الهمجية التجريبية هي المنهج الأبرز الذي تجلت فيه البراغماتية السياسة. وأصدق وصف لهذه السياسية هو الهمجية التجريبية وهو مصطلح تجميلي ينضوي تحته التجرد من الأخلاق والمبادئ والقيم لتحقيق نفعاً ما، ولا يعير في تطبيقه للإنسانية أي اعتبار. ولاقى هذا المنهج توقاً كبيراً عند الحكام الذين يضمرون نزعات ديكتاتورية ولا سيما ممن أتى الديكتاتورية من مرجعية " أوليغارشية " وهي أسلوب حكم، تكون فيه السلطة السياسية محتكرة من قبل نخبة صغيرة مستبدة تربطها مصالح أو دعوات عميقة إقطاعية أو برجوازية، أو عسكرية، أو دينية راديكالية، أو عشائرية.

بات من المألوف وصف تجاوزات الحكام لمشروعية سياستهم الوطنية بالبراغماتية، وفي أحاين كثيرة تصبح البراغماتية، وفق الميثاق الوطني لمشروعية الحاكم ضرباً من الخيانة والغدر، والانقلاب على الأهداف والمبادئ والقيم والأخلاق التي تبناها و أقام حكمه عليها، وتكون كثيراً مناقضة للدعوى التي انطلق منها الميثاق الوطني الذي يشرع حاكميته.

 لذلك تتحول البراغماتية بحسب نزعات الحكام إلى سياسة الهبوط الاضطراري بالمظلات، لأن السياسة في تلك الحال خرق مطلق لكل مبادئ السياسة، ويتستر هذا الخرق "ببروباغندا" إعلامية جارفة تجمّل هذه السياسة بتوصيف البراغماتية الضرورة، وتبررها بصفات الذكاء والحنكة السياسية العبقرية في التغلب على الواقع، ومسايرة السياسة العالمية الراهنة، بمعنى تجميلها لجعلها ممارسة سياسية مخاتلة.

 ربما نجد أبرز مثال لهذه لبراغماتية الهبوط الاضطراري بالمظلات في إعادة نسج العلاقات بين الحكومة السورية المؤقتة وحكومة روسيا، فبين الحكومتين ما صنع الحداد كما يقال.

 فقد شنت روسيا حرباً عسكرية طاحنة على السوريين استمرت لأكثر من عقد، بدأت بالحرب السياسة والإعلامية، فأخذت مجلس الأمن رهينة لفيتيوهاتها ضد الثورة السورية التي استخدمتها ثماني عشرة مرة، وحين تقهقر النظام الأسدي، و لم تجد نفعاً الفتن السياسية و الإعلامية والفيتيوهات، شنت روسيا بمساعدة الميليشيات الإيرانية وحزب الله حرب هجومية مباشرة بسلاح الجو الجهنمي على السوريين، و " تشير أرقام الدفاع المدني السوري التي تعتمد فقط على توثيقات فرق الاستجابة في المؤسسة حتى تاريخ 12 أيلول 2024 إلى مقتل 4073 مدنياً، وجرح 8431 مدنياً جراء 5751 هجوماً شنته روسيا ضد السوريين.

 فقد سجلت فرق الدفاع المدني السوري" لما مجموعه 265 مجزرة ارتكبتها القوات الروسية منذ بدء تدخلها العسكري المباشر لصالح قوات النظام في 30 أيلول 2015، أدت تلك المجازر لمقتل 2,784 مدنياً بينهم 873 طفلاً و552 امرأة، وإصابة 3,442 آخرين، بينهم 884 طفلاً، و 753 امرأة ".

وهذا السجل ليس نهائياً، وهو يجسد أبشع عدوان همجي على الشعب السوري، و ليس تداول هذا السجل من باب نكء الجراح، و وضع العصي في عجلات السياسة، وهو سجل ليس سياسياً، يتداول بحسب الغاية براغماتياً، بل هو حقوق وطنية، وإنسانية لا يعلوها حقٌّ، ولا تسقط بحقّ البراغماتية السياسية.

 وعلى الرغم من هذه الفظائع، تلتقي هذه الأيام الحكومتان لتعيد نسج علاقات جديدة، رافعة سجل الإجرام إلى رف البراغماتية. ويبقى محك صدق براغماتية الهبوط الاضطراري بالمظلات، هو حقيقة سبب هذا الهبوط أيكون حاجة وطن مستعصية؟؟؟ أم استعصاء سياسي تصنعه السياسة العالمية؟؟؟، أم حاجة ذاتية للحاكم، فكثيراً ما يمحو الفكر السياسي الديكتاتوري الحدود بين الوطن والحاكم.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment