البروباغندا الانقسامية: سلاح تفكيك الدولة اللبنانية - ورد على مقال سمير عطالله

11/29/2025 - 11:06 AM

Prestige Jewelry

 

في رد على مقال سمير عطالله/ كتب بيار مارون

 

يتداول ناشطون لبنانيون منشورًا مثيرًا للجدل بعنوان: 'لبنان على حافَة الهاوية: المخطط السُنّي التركي الخليجي والضرورة الحتمية للتقسيم الفوري، ويُنسب إلى الكاتب سمير عطالله (لم يصدر أي تأكيد رسمي من جهته بشأن صحة نسبة هذا المقال إليه)،   (نُرفق نص المقال كما ورد في نهاية هذا الرد).

إلّا أن ما يُطرح في هذا النص ليس تحليلًا سياسيًا، بل بروباغندا انقسامية تُعيد إنتاج مناخ الحرب الأهلية بصيغ جديدة، وتستهدف وحدة المجتمع اللبناني عبر خطاب خوف منظّم ومرتكز إلى فرضيات غير واقعية.

أولًا: البروباغندا الانقسامية وصناعة "الواقع البديل". هذه السرديات تتحرك عبر ثلاث آليات واضحة:

1. خلق عدو موحّد مصطنع يُصار إلى تصوير تركيا والسعودية والإمارات وقطر ككتلة سياسية واحدة تحاصر لبنان، رغم أن هذه الدول تختلف في ملفات جوهرية:

- الإخوان المسلمون،

- مستقبل النظام السوري،

- النفوذ في البحر المتوسط،

- التنافس التجاري والاقتصادي.

تحويل هذا التباين إلى “محور واحد” هو تبسيط خطير يخدم هدفًا واحدًا:

- صناعة عدو خيالي يبرّر خطاب الخوف.

- هكذا يُصنع الخصم على الورق - لا في الواقع.

2. تقديم سيناريوهات كارثية بلا أي أساس سياسي

لا يوجد في أي محفل دولي مشروع لـ“سوريا السُنّية الكبرى "أو" كونفدرالية تركية - قطرية" تضم لبنان.

هذه مجرد سرديات صادمة تُستخدم لتعبئة النفوس، لا لتحليل الوقائع.

3. تصوير الانقسام كخيار وجودي وحيد

حين يُقال للناس:

"إما التقسيم أو الفناء"، فنحن أمام محاولة لدفع المجتمع نحو خيارات انتحارية تُدمّر ما تبقّى من الدولة.

ثانيًا: تضارب المصالح الدولية ينسف ادعاء “المشروع السُنّي”

1. لا مصلحة للغرب في قيام كتلة سُنّية بقيادة تركية

من غير المنطقي أن تدعم الولايات المتحدة أو أوروبا أو إسرائيل نشوء كتلة سنّية كبرى بقيادة تركيا، لأن:

- واشنطن ترى تركيا شريكًا متقلبًا داخل الناتو.

- أوروبا تعتبر الطموح العثماني خطرًا مباشرًا على المتوسط والبلقان.

 - إسرائيل تنظر بعين الريبة لأردوغان ومواقفه من غزة والقدس وغاز المتوسط.

فكيف لهذه القوى أن تسمح -لا أن تدعم- قيام كتلة سُنّية من 100 مليون نسمة بقيادة مشروع عثماني جديد؟

2. السعودية خارج هذا السيناريو بالكامل

الرياض:

- على خلاف استراتيجي مع أنقرة بشأن الإخوان.

- تركّز على رؤية 2030.

- تبني شراكات مع الغرب لا محاور توسعية، وإدراجها قسرًا ضمن محور تركي-قطري هو اجتهاد دعائي لا تحليل سياسي.

3. الاستراتيجية الغربية تاريخيًا تعمل على تفكيك الكتل لا توحيدها

هذه حقيقة ثابتة:

- تفكيك الاتحاد السوفييتي،

 - احتواء الصين،

- منع وحدة عربية منذ الخمسينيات،

- ودعم استقلال دول أوروبا الشرقية.

كيف يخرق الغرب كل هذه المبادئ الاستراتيجية ليدعم فجأة قيام كتلة سُنّية كبرى؟

الجواب واضح: لا يفعل.

ثالثًا: اتفاق الطائف… المشكلة في التعطيل لا في النص

يجري تقديم الطائف في هذه السرديات كأداة إذلال سياسية، لكن الواقع مختلف تمامًا:

- الطائف لم يُطبّق كما هو.

- الوصاية السورية شوّهته عبر موازين القوة على الأرض.

- الإصلاحات الجوهرية (مجلس الشيوخ، اللامركزية، إلغاء تدريجي للطائفية) لم ترَ النور.

- الفساد مسؤولية مشتركة بين كل الطبقة السياسية—لا فئة واحدة.

- المشكلة ليست في الطائف، بل في تعطيله وتحويله إلى آلية تجميد للدولة.

رابعًا: مشاريع التقسيم… وصفة مؤكدة لحرب جديدة

الدعوة إلى إقامة "دولة مسيحية-درزية" مستقلة تتجاهل حقائق أساسية:

- الجغرافيا اللبنانية مترابطة اقتصاديًا وخدماتيًا ولا يمكن فصلها.

- التداخل الديموغرافي يجعل الفصل شبه مستحيل دون صدام دموي.

- لا غطاء دوليًا أو إقليميًا لأي مشروع كانتوني.

التقسيم ليس خلاصًا؛

إنه محطة أولى نحو حرب جديدة وحصار اقتصادي وفقدان كامل للشرعية الدولية.

خامسًا: مقاربة

- دولة واحدة، سيادة واحدة، مجتمع واحد

تطرح SOUL رؤية سيادية واقعية عكس هذه المشاريع التفكيكية:

- حماية الطوائف تمرّ عبر دولة قوية، لا عبر جزر طائفية.

- الإصلاح المؤسسي هو الطريق الوحيد القابل للتنفيذ:

قضاء مستقل، إدارة حديثة، ضبط الحدود، واقتصاد متجدد.

- الشراكة الوطنية- notالخوف-هي أساس التوازن الداخلي.

خاتمة: الخطر الحقيقي هو الفراغ الداخلي… لا "المخطط الخارجي"

أخطر ما يتهدد لبنان اليوم ليس سيناريوهات متخيلة، بل فراغ الدولة وسلاح الميليشيات، وغياب المؤسسات القضائية والأمنية التي تسمح للبروباغندا بأن تحلّ محل السياسة.

إنقاذ لبنان يبدأ من:

- إعادة بناء الدولة،

- ترسيخ السيادة،

- وتوحيد المجتمع حول مشروع وطني،

لا حول فزاعة طائفية تُستخدم “لحماية” الناس بينما تدفعهم نحو الهاوية.

لبنان لن يسقط على يد محور خارجي…ولن يسقط بالتهويل والترهيب. بل سيسقط فقط إذا اقتنع شعبه أن الخوف يمكن أن يكون بديلًا عن الدولة.

 

نص مقال الكاتب سمير عطالله

*لبنان على حافة الهاوية: المخطط السنّي التركي الخليجي والضرورة الحتمية للتقسيم الفوري*

 الهدف الاستراتيجي الذي تتبنّاه حالياً قوى المحور السنّي – تركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، مع الولايات المتحدة كوسيط متردد أحياناً – لم يعد يقتصر على احتواء حزب الله أو ترميم سيادة لبنان بشكل تجميلي؛ بل هو تذويب الكيان اللبناني التاريخي عمداً في سوريا السنّية الكبرى المقبلة، وهي حزام متصل من الأراضي ذات الأغلبية السنّية يمتد من الحدود التركية مروراً بإدلب وحلب وحمص وطرابلس وبيروت وصولاً إلى مخيمات الفلسطينيين في الجنوب، وبذلك يكتمل مشروع إعادة الهندسة الديموغرافية والسياسية الذي بدأ باتفاق الطائف عام 1989 وتسارعت وتيرته على مدى ثلاثة عقود من الهجرة المنظمة والتلاعب الطائفي.

في قلب هذا المخطط يقف توم براك، رجل الأعمال الأميركي-اللبناني الذي، بصفته مبعوثاً خاصاً لدونالد ترامب وصديقاً شخصياً له، كرّر وصف لبنان بأنه «دولة فاشلة لم يكن يفترض أن توجد أصلاً بهذا الشكل»، ودعا علناً – وفقاً لتسريبات دبلوماسية نُشرت في أغسطس ونوفمبر 2025 – إلى «دمج ناعم» للمناطق ذات الأغلبية السنّية في لبنان مع سوريا ما بعد الأسد تحت كونفدرالية رخوة تشرف عليها أنقرة والدوحة، وهو ترتيب سيترك الجيوب المسيحية والدرزية المتبقية كمحميات معزولة بلا حدود قابلة للدفاع ، وبلا موانئ حيوية وبلا أي ضمانة دولية حقيقية.

اما الأداة المختارة لتنفيذ هذا الحل فهي اتفاق الطائف نفسه الذي فرضته السعودية عام 1989 عبر أذرعها رفيق الحريري ومنظومة الاحتلال السوري : وثيقة سلبت رئاسة الجمهورية المارونية صلاحياتها التنفيذية بشكل منهجي، وجمّدت توزيع المقاعد النيابية على أساس تعداد 1932 الذي عفا عليه الزمن منذ زمن بعيد، وشرّعت تجنيس مئات الآلاف من السوريين والفلسطينيين السنّة بشكل أساسي عام 1994، وأنشأت نظام حكم مشلولاً بسبب الفيتوات الطائفية بحيث لا يمكن اتخاذ أي قرار كبير – من توفير الكهرباء إلى تعيين القضاة – من دون موافقة الكتلة السنّية نفسها المتحالفة مع السعودية وسوريا ، والتي استخدمت الطائف على مدى خمسة وثلاثين عاماً سيفاً ودرعاً لمنع أي إصلاح قد يعيد الوزن السياسي للمسيحيين أو يوقف النزيف الديموغرافي

كل وعد يُقدَّم اليوم من قبل المبعوثين الخليجيين – المليارات لإعادة الإعمار، إنقاذ القطاع المصرفي، تقوية الجيش اللبناني وتوسيع اتفاقيات أبراهام – يأتي بشرط صريح وغير قابل للتفاوض: أن تبقى بنية الطائف سليمة كما هي، لأن الطائف هو القفص القانوني والدستوري الذي يضمن استمرار الهيمنة السنّية حتى بعد أن يتحول المسيحيون إلى أقلية متناقصة؛

وبمجرد تفكيك حزب الله – وهو ما سيحدث قريباً جداً إما بضربات إسرائيلية أو بتجريد السلاح بالقوة تحت الضغط الأميركي – لن يبقى شيء يقف بين الطوائف غير السنّية وبين التطهير العرقي الهادئ الممول خليجياً، والذي بات واضحاً بالفعل في معدلات هجرة المسيحيين المتسارعة وفي عمليات شراء عقارات جبل لبنان بالجملة من قبل شركات واجهة قطرية وإماراتية.

إن الفدرالية أو الكونفدرالية أو أي شكل آخر من تقاسم السلطة داخل دولة لبنانية واحدة ليست حلاً؛ بل هي وهم قاتل، لأن كل صيغة فدرالية تفترض مسبقاً استمرار شرعية تشوهات الطائف الديموغرافية وحصص الطوائف، وهذا يعني أن أي «كانتون مسيحي» أو «حكم ذاتي درزي» سيُقطَّع إلى شظايا غير قابلة للدفاع، محروم من السيطرة على قواته الأمنية، وخاضع للخنق الاقتصادي من قبل حكومة مركزية سنّية تموّلها الرياض والدوحة.

إن الترتيب الوحيد القادر على وقف إبادة الطوائف المسيحية والدرزية التاريخية في لبنان هو التقسيم الفوري والصريح إلى دولتين سيادتين: جمهورية مسيحية-درزية مدمجة وقابلة للدفاع تشمل جبل لبنان والمتن الشمالي وكسروان وجبيل وبترون وزغرتا وبشري ومرتفعات الشوف وجزين وزحلة، بجيشها الخاص وعملتها الخاصة إذا لزم الأمر، وبمعاهدة دفاع ثنائية تُبرم حصراً مع الولايات المتحدة الأميركية، متجاهلة عمداً أي إطار متعدد الأطراف يمكن لتركيا أو قطر أو جامعة الدول العربية أن تعرقله أو تضعّفه.

مثل هذه المعاهدة، المصاغة على غرار ضمانات عقيدة أيزنهاور لعام 1958 أو مذكرة التفاهم الأميركية-الإسرائيلية، ستوفر الرادع الوحيد الذي لا تستطيع أي تركيبة من بترو دولارات الخليج أو الطائرات التركية المسيرة شراءه أو تخويفه، وفي الوقت نفسه ستزيل أي ذريعة للاحتلال الإسرائيلي للجنوب وستمنح واشنطن موطئ قدم مستقر وموالٍ للغرب على الشاطئ الشرقي للمتوسط في وقت ينهار فيه كل حليف إقليمي آخر أو يعيد توجيه ولاءه نحو أنقرة وبكين.

أما الذين ما زالوا يصرخون «لا للتجزئة!» فهم بالذات مهندسو اختفاء لبنان؛ خوفهم الحقيقي ليس التفتت، بل بقاء كيان غير سنّي قادر على مقاومة الابتلاع في المحور السنّي الذي يتكتل الآن من إدلب إلى صيدا. مذبحة العلويين والمسيحيين في حمص بتاريخ 23 نوفمبر 2025 – التي تمت تحت نظر الأتراك والخليجيين أنفسهم الذين يعدون لبنان اليوم بـ«الازدهار» – ليست استثناءً؛ إنها النموذج.

إن المسيحيين والدروز المتبقين في لبنان أمام خيار لن يقدّمه لهم التاريخ مرتين: إما قبول قفص الطائف المذهّب والاختفاء بكرامة، وإما انتزاع التقسيم الآن، ما دام الجبل لا يزال ملكهم وما دامت الولايات المتحدة لا تزال بحاجة إلى صديق موثوق على الشاطئ الشرقي للمتوسط.

ليس هناك طريق ثالث، والنافذة تُقاس بأسابيع لا بسنوات.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment