كتب بيار أ. مارون *
منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تغيّر شكل مقاربة واشنطن للشرق الأوسط جذريًا. لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع لبنان، غزة، سوريا، العراق، واليمن كملفات منفصلة، بل كساحة واحدة مترابطة يديرها محور إيراني يمتد من بيروت إلى صنعاء.
في هذا السياق الجديد، أصبح لبنان جزءًا عضويًا من مِلَفّ مواجهة إيران، لا دولة مستقلة ذات أولوية منفصلة كما كان في مرحلة ما بعد 2005، أي بعد انسحاب الجيش البعث السوري من لبنان.
اليوم، من يحدّد مصير لبنان (وأمنه وحدود جنوبه) في واشنطن هم اللاعبون الآتي ذكرهم، وفق ترتيب نفوذ واقعي لعام 2025:
1. البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي (NSC)
العقل السياسي وصاحب القرار النهائي
يبقى الرئيس وفريق الأمن القومي الجهة الوحيدة القادرة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم.
وتشمل صلاحياتهم:
• تحديد سقف التصعيد المسموح لإسرائيل على الجبهة اللبنانية.
• الموافقة أو منع أي عمليات أمريكية مباشرة ضد الحرس الثوري أو حزب الله.
• رسم الخطوط الحمراء عبر قنوات خلفية (قطر، عُمان، فرنسا).
• تحديد مستوى إعادة تسليح إسرائيل والجيش اللبناني.
بسياسة واشنطن اليوم، لا أحد يتجاوز قرار الرئيس مستندًا إلى تقديرات الأمن القومي—خاصة كلما اقتربت الانتخابات الأمريكية وما يرافقها من حسابات الرأي العام.
2. وزارة الدفاع – البنتاغون وقيادة المنطقة الوسطى (CENTCOM)
المحرّك العملاني وصاحب الكلمة شبه الأخيرة
يحوّل البنتاغون تحليلات السياسة إلى إجراءات عسكرية وقواعد اشتباك.
ومهامه:
• تموضع حاملات الطائرات وقوات الردع في شرق المتوسط.
• إدارة التنسيق المباشر وغير المسبوق مع الجيش الإسرائيلي.
• تقييم الصواريخ الدقيقة لدى حزب الله واحتمالات توسع الحرب.
• حماية القواعد الأمريكية في العراق وسوريا من هجمات الوكلاء.
في الأزمات الأمنية، كثيرًا ما تكون توصية CENTCOM هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت واشنطن ستتجه نحو حرب إقليمية مفتوحة أو احتواء مدروس.
3. وزارة الخزانة – مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)
السلاح الأكثر تأثيرًا على حزب الله
أصبحت الخزانة خلال العقد الأخير الطرف الأكثر فاعلية في الضغط على حزب الله وشبكاته العابرة للحدود:
• شلّ مصادر تمويل الحزب في إفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا.
• تفكيك شبكات غسيل الأموال والمصارف المتعاونة.
• ملاحقة تجارة المخدرات والكبتاغون السوري–اللبناني.
• ضرب شبكات تهريب النفط الإيراني.
تأثير العقوبات لم يعد رمزيًا؛ إنه جزء من إدارة الردع. فكل جولة ضغط مالي تُجبر قيادة الحزب على إعادة حسابات فتح جبهة أو التصعيد.
4. مجتمع الاستخبارات (CIA – DIA – NSA – NGA)
العين التي تغيّر السياسة بتقرير واحد
تلعب الأجهزة الاستخباراتية دورًا غير مرئي لكنه حاسم:
• رصد شحنات الأسلحة الإيرانية عبر مطار دمشق والحدود السورية–اللبنانية.
• تقدير حجم الصواريخ التي يمكن أن تصل إلى تل أبيب.
• تعقّب قيادات حماس والجهاد الإسلامي في بيروت.
• تحليل الترابط العملاني بين حزب الله، الحوثيين، والحشد الشعبي.
في لحظات حرجة، قد يُعدّ تقرير استخباراتي قوي سببًا كافيًا لتغيير موقف الرئيس خلال ليلة واحدة.
5. وزارة الخارجية (State Department)
الواجهة الدبلوماسية… لا صانع السياسة
تتولّى الخارجية تنفيذ (لا صياغة) القرارات الكبرى:
• إدارة مهمة آموس هوكشتاين وخطط ترسيم الحدود وتثبيت الاستقرار.
• الضغط لانتخاب رئيس “غير مرتبط بإيران”.
• إيصال الرسائل إلى بيروت وتل أبيب.
دورها في 2025 تنفيذي أكثر منه استراتيجي، خصوصًا في ظل مركزية الأمن القومي والبيت الأبيض.
6. الكونغرس الأمريكي
صوت مرتفع… لكنه ليس صاحب القرار اليومي
يمارس الكونغرس تأثيرًا مهمًا، لكنه غير مباشر:
• إقرار المساعدات الهائلة لإسرائيل (14.3 مليار دولار 2024–2025).
• تشديد العقوبات على حزب الله.
• فرض شروط صارمة على دعم الجيش اللبناني.
• توجيه الرأي العام عبر جلسات الاستماع ولجان المتابعة.
لكنه لا يقود دينامية القرار—بل يوجّهها أو يقيّدها.
لاعبون ثانويون… بأدوار حاسمة أحيانًا
• وزارة التجارة والممثل التجاري: ضبط تكنولوجيا الاستخدام المزدوج.
• DHS وFBI: ملاحقة التمويل داخل الولايات المتحدة.
• مشاريع طاقة وصمود مجتمعي لتقليص نفوذ حزب الله من خلال الUSAID، (قبل حلها).
العامل الإسرائيلي: شريك في الإدخال لا في القرار
تقديرات الجيش الإسرائيلي والموساد تدخل يوميًا في الحسابات الأمريكية، خصوصًا في ملف جنوب لبنان.
لكنها تدخل من باب التنسيق العملاني، لا من باب الإملاء السياسي.
ملف الطاقة والغاز: البعد الذي لا يُقال علنًا
منذ اتفاق ترسيم الحدود البحرية 2022، يشكّل الغاز في شرق المتوسط عاملاً إضافيًا في منع الحرب:
واشنطن ترى أن أي صراع واسع جنوب لبنان سيضرب بنية الطاقة التي تريدها أوروبا والولايات المتحدة بديلًا للغاز الروسي.
وهذا يرفع أهمية لبنان إلى ملف جيو–اقتصادي لا أمني فقط.
الانتخابات الأمريكية
كلما اقتربت واشنطن من موسم انتخابي، يضيق هامش التصعيد المفتوح.
الاستقرار على الحدود اللبنانية، وتحديدًا منع الحرب الكبرى، أصبح جزءًا من الحساب السياسي الداخلي.
الخلاصة: الترتيب الفعلي لصناعة القرار في ملف لبنان (2025)
1. الرئيس + مجلس الأمن القومي
2. البنتاغون / CENTCOM
3. الخزانة / OFAC
4. الاستخبارات
5. الخارجية
6. الكونغرس
لبنان لم يعد يُقرأ بصفته ملفًا مستقلًا، بل جزءًا من إدارة الصراع مع إيران واحتواء حرب غزة.
وأي طرف يريد التأثير على القرار الأميركي تجاه لبنان عليه أن يتحدث أولًا بلغة الأمن القومي الأميركي—التهديدات، الاستقرار الإقليمي، الردع—ثم بلغة الاستقرار اللبناني لاحقًا.
غير ذلك لن يصل إلى الطاولة التي تُصاغ فيها القرارات.
ملاحظة: يعكس هذا التصنيف مدى النفوذ النسبي للمؤسسات الأميركية في الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط (الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية، تداعيات غزة، وشبكة الوكلاء الإيرانيين).
إن النفوذ ديناميكي ومتغيّر؛ ففي حملات العقوبات قد يبرز دور وزارة الخزانة، بينما في الاختراقات الدبلوماسية قد يزداد وزن وزارة الخارجية.

* بيار أ. مارون، شغل منصب مساعد تشريعي في الكونغرس الأميركي (الكابيتول هيل) سابقاً; محاضر ومحلل استراتيجي، وهو رئيس منظمة "دروع لبنان الموحد" (SOUL)، نشاطه في الساحة الاغترابية الأميركية، مدافعًا عن قضايا السيادة اللبنانية وحقوق الإنسان، ومؤكدًا على دور المغتربين في دعم الوطن الأم.
وتنشط منظمة SOUL، التي يرأسها مارون، في تنظيم المؤتمرات واللقاءات الحوارية في الولايات المتحدة، بهدف تسليط الضوء على التحديات التي تواجه لبنان، لا سيما في ظل الفراغ الرئاسي والتجاذبات الإقليمية. وفي هذا السياق، يرى مارون أن "الفراغ في سدة الرئاسة يخدم مصالح بعض الأطراف، ويؤخر عملية إعادة بناء الدولة"، داعيًا إلى حوار لبناني-لبناني يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
كما يولي مارون أهمية خاصة لدور الإعلام في توعية الرأي العام، ويحرص على المشاركة في البرامج الحوارية والمنصات الإعلامية لنقل صوت الاغتراب اللبناني، وتسليط الضوء على القضايا الوطنية من منطلق سيادي وإنساني.
ويُعد بيار أ. مارون من أبرز الوجوه الاغترابية التي تسعى إلى بناء جسور بين لبنان المقيم ولبنان المنتشر، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا: لبنان سيد، حر، مستقل، مزدهر، ومتصالح مع ذاته.












11/25/2025 - 22:53 PM





Comments