معتز فخرالدين *
تواجه الديمقراطيات التعددية اليوم تحديًا مركزيًا يتمثل في الانقسامات الموروثة، سواء كانت طائفية أو إثنية، التي تحول الانتخابات إلى صراع على الولاءات أكثر من كونها منافسة على البرامج الوطنية. يناقش هذا المقال كيفية بناء أغلبية سياسية برامجية تتجاوز الانقسامات التقليدية، مستفيدًا من تجارب دولية متعددة، مع تسليط الضوء على الواقع اللبناني وتحدياته الفريدة.
1. المشكلة الأساسية
• الانقسامات الطائفية والإثنية تحول الانتخابات من منافسة برامجية إلى صراع على الولاءات.
• في لبنان، هذه الانقسامات تعيق بناء أغلبية وطنية قائمة على البرامج والقضايا العامة، ما يؤدي إلى استمرار الجمود السياسي وضعف تنفيذ السياسات العامة وتعميق الخطاب الطائفي.
2. الأغلبية السياسية مقابل الأغلبية الطائفية
• الأغلبية السياسية: تتحرك حول برامج وقضايا عامة، متجددة ومرنة، وتشجع التنافس الديمقراطي الفعلي.
• الأغلبية الطائفية: ترتكز على هويات ثابتة، تجعل العملية السياسية محصورة في دوائر مغلقة، وتكرس الانقسامات وتحد من ديناميكية الدولة.
• التحدي هو إيجاد توازن بين حماية التنوع الاجتماعي وضمان ديناميكية سياسية وطنية قابلة للإنتاج والتغيير.
3. التجارب الدولية
الهند:
• نظام انتخابي واسع القاعدة يفرض على الأحزاب بناء تحالفات متعددة، مع التركيز على التنمية والاقتصاد.
جنوب أفريقيا:
• بناء مشروع وطني شامل بعد نهاية الفصل العنصري، جمع بين العدالة الاجتماعية والمصالحة العرقية.
البوسنة والهرسك:
• المحاصصة الطائفية الصارمة أدت إلى جمود سياسي مستمر وضعف صنع القرار.
العراق بعد 2003:
• المحاصصة الطائفية حولت العملية السياسية إلى تنافس على الحصص والمصالح، وفقدت الديمقراطية معناها في بناء شرعية جديدة.
الاتحاد الأوروبي:
• تحالفات اقتصادية وسياسية تعكس مصالح مشتركة، وتتجاوز الانقسامات التاريخية، مع التركيز على البرامج والسياسات العملية.
4. لبنان بعد الطائف
خلفية النظام الطائفي:
• تأسس على مبدأ التوازن الطائفي لضمان تمثيل الطوائف المختلفة، لكن هذا المبدأ أصبح عائقًا أمام بناء أغلبية وطنية قادرة على إدارة الدولة بفعالية.
• نص اتفاق الطائف على التدرج في إلغاء الطائفية لم يترجم بالكامل، مما يترك السياسة محصورة ضمن الولاءات الموروثة.
تحالفات سياسية بطابع طائفي:
• غالبًا ما تقوم على توزيع المناصب والمقاعد، وليس على برامج وطنية واضحة.
• المبادرات التنموية أو المحلية تبقى محدودة، ولا تشكل قاعدة لأغلبية وطنية جامعة.
التحديات والفرص:
• لبنان يواجه تحديًا مزدوجًا: الانقسامات العميقة والطائفية المتجذرة من جهة، والحاجة إلى بناء أغلبية سياسية فاعلة من جهة أخرى.
• فرص النجاح تكمن في إصلاح النظام الانتخابي، تعزيز الأحزاب القادرة على العمل برامجياً، وتشجيع التحالفات الوطنية التي تتجاوز الانتماءات الطائفية.
مقترحات لتعزيز الأغلبية الوطنية:
1. توسيع الدوائر الانتخابية لتشجيع التحالفات العابرة للطوائف.
2. اعتماد نظام تمثيل نسبي معدل يحافظ على تمثيل الأقليات ويمنع احتكارالطائفية للسلطة.
3. تقديم حوافز قانونية ومالية للأحزاب التي تقدم برامج وطنية واضحة.
4. تعزيز دور الإعلام والمجتمع المدني في دعم البرامج الوطنية وتقوية الوعيالسياسي بعيدًا عن الطائفية.
5. الخاتمة
• بناء أغلبية سياسية وطنية في مجتمعات متعددة الانقسامات ممكن لكنه تحدٍ كبير.
• يتطلب مؤسسات واضحة، أحزابًا برامجية، نظام انتخابي يشجع التحالفات الوطنية، وإعلامًا ومجتمعًا مدنيًا نشطًا.
• في لبنان، الرهان هو الانتقال من الطائفية المتجذرة إلى نموذج ديمقراطي يحترم التنوع ويضع البرامج الوطنية في صلب العملية السياسية، ما يتيح بناء أغلبية جامعة قادرة على إنتاج شرعية متجددة وتحقيق تنمية مستدامة.
* باحث وكاتب سياسي











11/13/2025 - 03:53 AM





Comments