الاعلامي كريم حداد
منذ الساعات الأولى لإعلان تعيين الوزير السابق علي حميّة مستشارًا لرئيس الجمهورية لشؤون إعادة الإعمار، انفجرت حملة سياسية، إعلامية، سرعان ما اتخذت طابعًا هستيريًا، لا يشبه النقد البناء، بل يحمل بصمة تصفية الحسابات المسبقة مع الرئيس العماد جوزاف عون، قبل أن تبدأ تجربته فعليًا في الحكم.
الحملة، التي تجاوزت منطق الدولة وحدود الاحترام الدستوري، ترافقت مع محاولات تشويه صورة الرئيس عبر تسويق أن قرار تعيين حميّة هو “خضوع لحزب الله”، بل بلغ الأمر حدّ الدعوة، تهكمًا، إلى تعيين أفيخاي أدرعي مستشارًا بديلًا، في سابقة لا تعبّر عن انفعال سياسي، بل عن انهيار في الخطاب السيادي نفسه.
لكنّ الوقائع أبعد ما تكون عن هذه الرواية المختزلة، وأقرب إلى فهم دقيق لموقع رئاسة الجمهورية ضمن التوازنات اللبنانية المعقدة.
انتخاب الرئيس… بوقائع البرلمان لا بأمنيات المعارضة
فلنبدأ من الأساس: العماد جوزاف عون لم يأتِ بانقلاب ولا بانقلاب ناعم. هو رئيس منتخب بأصوات المجلس النيابي، وفي ظل تسوية إقليمية دولية أعادت وصل ما انقطع في الداخل.
صحيح أن كتلة “حزب الله” صوّتت له، لكنّها لم تكن وحدها، بل جاء انتخابه نتيجة تصويت كتل من قوى مختلفة، بعضها من خصوم الحزب التقليديين، ما يدلّ على تقاطع مصالح آنذاك، لا على تبعية أو خضوع.
منطق العزل في السياسة اللبنانية ليس واقعيًا. من ينتخب رئيسًا بدعم أكثرية نيابية تشمل حزب الله، لا يُصنَّف تلقائيًا تابعًا له، وإلا لوجب الحكم على رؤساء حكومات سابقين نالوا ثقة كتلة الحزب، بأنهم “وكلاء للممانعة”، وهذا تناقض واضح في المعايير.
علي حميّة: التعيين تقني لا سياسي… والإعمار ملف وطني لا مذهبي
أما ما يخص تعيين علي حميّة، فالسؤال الأجدر طرحه هو:
هل انتُخب هذا الرجل نائبًا أم وزيرًا في حكومة نالت ثقة مجلس النواب؟
هل طُعن في نزاهته المهنية أو تمّ توجيه اتهامات مباشرة له خلال توليه وزارة الأشغال؟
ألا يحمل في سجله الوزاري أداءً مقبولًا حتى من خصومه، حين تمكّن من تشغيل مرافئ ومرافق حيوية في عز الانهيار؟
الرئيس عون لم يعيّنه وزيرًا للداخلية أو مسؤولًا عن السياسة الخارجية. بل كلّفه بملف إعادة الإعمار، أي بملف يتطلب مقاربة مهنية لا سياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحملة عليه تقوم على خلفية مذهبية ـ أيديولوجية، أكثر مما هي مبنية على تقييم موضوعي.
الرسالة الإيرانية وصلت… والجواب السيادي وُثّق في لقاء جمعه بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أطلق الرئيس جوزاف عون موقفًا سياديًا واضحًا لا لبس فيه:
لبنان يتطلّع إلى علاقة دولة بدولة مع إيران، ضمن احترام السيادة وعدم التدخل.
الحوار الداخلي هو المدخل إلى معالجة التباينات، لا العنف ولا السلاح.
إعادة الإعمار ستكون بالتعاون مع الدول الصديقة والشقيقة وفق القوانين اللبنانية، لا بإملاءات من أحد.
أمام هذا الكلام، لا مجال للتأويل أو المزايدة. رئيس الجمهورية لا يهادن ولا يناور. هو لا يخوض معركة كسر عظم مع أي فريق لبناني، لكنه أيضًا لا يقبل أن يُفرَض عليه دفتر شروط إقصائي من أي جهة.
الرئاسة ليست حسابًا على “تويتر” ومن يتابع مواقع التواصل يظن أن الدولة تُدار بمنطق “الترند” لا بمنطق الدستور.
رئيس الجمهورية لا يعيّن مستشاريه عبر استطلاع ردود الفعل اللحظية، بل عبر قراءة الواقع السياسي، واحتياجات المرحلة، والتوازنات الدقيقة التي تحكم البلد.
الهجوم الذي تعرّض له جوزاف عون لم يكن بسبب قرار واحد، بل لأنه رفض أن يكون أداة بيد أي محور، كما أنه لا يُرضي خصوم الحزب باستعداء الحزب، ولا يُرضي الحزب بمنحه امتيازات على حساب الدولة.
من يريد إسقاط العهد… يسقط نفسه ومن المبكر الحكم على رئاسة العماد جوزاف عون. لكنّ المؤكد أن استهدافه المبكر يُخفي خشيةً من نهج قد ينجح في كسر الحلقة الجهنمية التي تدور فيها الدولة منذ سنوات، بين فشل المعاداة الكاملة وفشل الولاء الكامل.
الردّ على تعيين حميّة لا يكون عبر شيطنته أو ابتذال الخطاب السيادي، بل بمراقبة أدائه، ومساءلته إن أخطأ، ودعم الحكومة إن أصابت، في مشروع إعادة الإعمار المنتظر.
رئيس الجمهورية لا ينحاز إلى المحاور، بل إلى الدولة.
الرئاسة ليست ميدان شعبويات، بل مركز قرار مسؤول. والعهد الجديد، على خلاف ما يُشاع، لم يبدأ بخضوع، بل بدأ بخيارات واقعية، منفتحة، لكن سيادية. ومن لا يستطيع العيش خارج منطق الإقصاء والتصعيد، فمشكلته ليست مع الرئيس، بل مع الدولة نفسها.










06/04/2025 - 09:45 AM





Comments