بقلم: شربل عبدالله أنطون
قدمت الولايات المتحدة رسميًا أول مقترح مكتوب لإيران كجزء من المفاوضات النووية المستمرة بوساطة عُمانية. لم يُنشر النص الرسمي الكامل لهذا الاقتراح بعد.
وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، المقترح بأنه "مَفصِل ومقبول"، وقد سلّمه المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف للوسيط العُماني يوم السبت، 31 أيار/ مايو 2025
أفاد باراك رافيد في موقع "أكسيوس" أن المقترح الأميركي يتيح لإيران إجراء تخصيب محدود ومنخفض المستوى لليورانيوم على أراضيها لفترة غير محددة، وهو ما يتناقض مع التصريحات العامة للمسؤولين الأميركيين الذين أصروا سابقاً على ضرورة التوقف الكامل عن التخصيب.
ومع ذلك، في أعقاب تقرير أكسيوس، لجأ الرئيس ترامب إلى منصته للتواصل الاجتماعي، Truth Social، لتأكيد موقفه، قائلاً: "بموجب اتفاقنا المحتمل - لن نسمح بأي تخصيب لليورانيوم!"
يُسلّط ردّ ترامب على تقرير أكسيوس الضوء على توتر جوهري في الدبلوماسية عالية المخاطر - فبينما يحقّ له صياغة الرواية علناً، إلا أنه غير مُلزم بتأكيد أو نفي التقارير المتعلقة بالمفاوضات الجارية. وبصفته كبير المفاوضين، يحتفظ بسلطة كاملة على بنود المفاوضات، بغض النظر عن تصريحاته خارج القاعة.
باتخاذه موقفًا علنيًا حازمًا - مثل نفيه القاطع لأيّ تنازلات بشأن التخصيب - قد يُظهر صلابةً أمام جماهير محلية ودولية رئيسية. مع ذلك، قد تُقيّد هذه التصريحات أيضًا المرونة، مما قد يُقيّده في موقف قد يحتاج إلى تعديل خلف الأبواب المغلقة.
يعكس هذا النهج نمطًا أوسع في أسلوب ترامب الدبلوماسي: الحفاظ على أقصى قدر من النفوذ مع إدارة دقيقة للانطباعات. قد يخدم خطابه العلني غرضًا سياسيًا، إذ يضغط على إيران ويطمئن حلفائه وداعميه المحليين، حتى مع بقاء معالم الاتفاق الفعلية غير واضحة خلف الكواليس. وسيكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الاستراتيجية تسمح بالمناورة العملية أم تؤدي إلى توقعات جامدة تُعقّد عملية التفاوض.
رغم نفي المسؤولين الأميركيين تقديم أي تنازلات لإيران، فإن المقترح يشبه إلى حد كبير خطة العمل المشتركة الشاملة لعام 2015، خاصة فيما يتعلق بالسماح بالتخصيب، وآليات المراقبة، وتخفيف العقوبات على مراحل.
بعد عقد من إدانة صفقة أوباما النووية، هل يقدم ترامب الآن لإيران اتفاقاً يشبه إلى حد بعيد الاتفاق الذي رفضه سابقاً؟ هذا السؤال المحوري من شأنه أن يشعل نقاشاً حزبياً حاداً في الولايات المتحدة.
تشير التقارير إلى أن الاقتراح الأخير الذي قدمته إدارة ترامب يسمح لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم على مستوى محدود ومنخفض تحت مراقبة دولية صارمة - وهو النهج الذي يشبه إلى حد كبير اتفاق عام 2015 والمعروف بالاتفاق النووي.
في حين يصر مسؤولو ترامب على أن شروطهم "صارمة للغاية" ومصممة لضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي، يزعم المنتقدون وحتى بعض الحلفاء أن السماح لإيران بأي مستوى من التخصيب يشبه بشكل أساسي إطار الاتفاق الذي انسحب منه ترامب في عام 2018.
وفي نهاية المطاف، فإن المعركة السياسية المقبلة في واشنطن ستتشكل حول فكرة ما إذا كان اقتراح ترامب يمثل تحولاً جوهرياً أو مجرد نسخة معاد تجميعها من اتفاق أوباما مع النظام الإيراني.
أوجه التشابه الرئيسية مع الاتفاق النووي لعام 2015
- حدود التخصيب: سيقتصر تخصيب اليورانيوم في إيران على الدرجة المدنية فقط، مشابهاً للحد 3.67% في الاتفاقية لعام 2015
- المراقبة الدولية: ستقوم الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمراقبة الأنشطة النووية الإيرانية لضمان الامتثال.
- تخفيف العقوبات: يتضمن المقترح تخفيفاً مرحلياً للعقوبات، مما يسمح لإيران بالوصول إلى الأصول المالية المجمدة وصادرات النفط.
الاختلافات الرئيسية عن اتفاق إيران لعام 2015
- مدة القيود: على عكس اتفاقية العام 2015، لا يحدد هذا المقترح إطاراً زمنياً ثابتاً لحدود التخصيب.
- نقل المخزون: قد يُطلب من إيران نقل اليورانيوم المخصب بدرجة عالية إلى دولة ثالثة، وهو بند لم يُدرج صراحة في اتفاقية 2015
- تعزيز التنفيذ: تسعى الولايات المتحدة إلى آليات مراقبة وتحقق أكثر صرامة لمنع إيران من انتهاك الاتفاق.
يُعتبر هذا المقترح تحولًا كبيراً في السياسة الأميركية، حيث يعكس نهجاً أكثر مرونة تجاه البرنامج النووي الإيراني مع السعي في الوقت نفسه للحد من تخصيب اليورانيوم بدرجة الأسلحة.
العوامل السياقية والجدل
لقد تغير المشهد السياسي المحيط بالمفاوضات النووية بشكل كبير. بينما تم التوسط في اتفاقية 2015 تحت إدارة أوباما بمشاركة مجموعة الخمسة زائد واحداً، فإن المفاوضات الراهنة تتم بوساطة عُمانية وبمشاركة أقل من أطراف أخرى. وتأتي وسط الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أذرع إيران الإقليمية في لبنان والعراق واليمن. وبعد سقوط نظام الأسد في سوريا.
إن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في عام 2018 لا يزال يؤجج التوترات، ويزداد الأمر تعقيداً بسبب التقارير الحديثة التي تفيد بأن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ قد ارتفع إلى 900 رطلاً في مايو/ أيار 2025 مما يضيف إلحاحاً إلى المفاوضات.
إن الجدل الدائر حول المقترح الراهن ينبع من تناقض صارخ: إذ أصر المسؤولون الأميركيون ــ بما في ذلك ترامب، وستيف ويتكوف، وماركو روبيو ــ علناً على عدم السماح لإيران بالتخصيب، ومع ذلك أفاد موقع أكسيوس أن المقترح الجديد يسمح لإيران بتخصيب محدود.
وقد أثار هذا التناقض قلق إسرائيل وأعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري، الذين يدفعون باتجاه فرض خطوط حمراء أكثر صرامة على النظام الإيراني ــ الأمر الذي يسلط الضوء على عملية التوازن الدبلوماسي الدقيقة التي يتعين على الولايات المتحدة أن تتعامل معها.
يُقر الخبراء بالتشابه الهيكلي بين مقترح 2025 والاتفاق النووي لعام 2015، لكنهم يؤكدون على أهمية ما يقدمه المقترح الراهن لمعالجة الثغرات السابقة، بما في ذلك البنود المؤقتة وآليات التحقق.
ومع ذلك، فإن رفض إيران للعرض، بحجة عدم كفاية تخفيف العقوبات وعدم مرونة الولايات المتحدة بشأن التخصيب، يسلط الضوء على القضايا العميقة التي لم يتم حلها بعد.
وتتوقف النتيجة النهائية للمفاوضات على ما إذا كان كلا الجانبين قادراً على سد هذه الانقسامات في ظل تصاعد القدرات الإيرانية النووية.
يتضمن الاقتراح الجديد تدابير مؤقتة، وتحالفًا إقليمياً، وشروطاً أكثر صرامة لتخفيف العقوبات، مما يشير إلى نهج أكثر تحكماً وربما أقصر أمداً. وفي ظل استمرار إيران في مراجعة الشروط وإبداء مخاوفها بشأن توقيت العقوبات، قد يستمر تطوير الاتفاق من خلال مزيد من المفاوضات.
في حين أن التفاصيل الكاملة للمقترح الأميركي لا تزال غير معلنة، فإن صحة تقرير أكسيوس ستشير إلى تحول عملي في الاستراتيجية الأميركية. فالسماح بتخصيب محدود تحت رقابة دولية صارمة قد يوفر حلاً وسطاً عملياً، يوازن بين أهداف منع الانتشار والواقعية الدبلوماسية. وإذا تبنى ترامب هذا النهج، فقد يكون بمثابة خطوة مدروسة نحو التوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق بدلاً من تكرار الجمود السابق.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن هذا الاقتراح هو مناورة استراتيجية من جانب ترامب، ونقطة نقاش سياسي لكسب الوقت والنفوذ قبل التوصل إلى الاتفاق النهائي.











06/04/2025 - 08:39 AM





Comments