"باكو" وانتظارات الأفارقة!

10/10/2024 - 08:04 AM

Arab American Target

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

دخلت الاستعدادات لمؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (COP29) مرحلتها النهائية حيث يعقد خلال الفترة بين 11 و22 نوفمبر المقبل في باكو عاصمة أذربيجان. ويبدو أن كشف حساب المؤتمرات الماضية محمل بالوعود المؤجلة، خاصة تلك التي تم تقديمها للبلدان الأفريقية. فمساهمة القارة السمراء في التوازن المناخي ظلت محدودة والارتباك مستمر بشأن أولوياتها البيئية ومتطلباتها وسياساتها.

ولعل السبب الرئيسي في عدم الوفاء بالوعود متعلق بالنظم الرأسمالية نفسها، حيث أن الدافع الذي يحركها ليس البيئة أو مستقبل البشرية وصحتها، فهذه أهداف ثانوية حتى الآن، لكن الأرباح في المقام الأول ويتم مكافأة مدراء الشركات الكبرى وفقا للأرباح التي يحققونها. ولم نسمع بتكريم مدير أو رئيس شركة نظير الاهتمام الذي أولاه للبيئة أو صحة الانسان أو رفاهية المجتمع.

لذلك، ليس من الغريب أن تقاوم الشركات النفطية أو الحكومات الغربية -التي تتلقى الدعم السياسي من لوبيهات شركات الطاقة-المحاولات الساعية إلى التخلي عن الوقود الاحفوري؛ فهو ما يحقق لها الأرباح. في النهاية، أولويات النظم الرأسمالية تحقيق مصالح حفنة من المجتمع وليس الحاجات البشرية الملحة على هذا الكوكب الذي تزداد دوله الفقيرة احتياجا وعدم استقرار.

هناك حقيقة تحاول الدول الغربية الصناعية الكبرى أن تتجاهلها وتؤجلها وهي أن مساهمة أفريقيا التاريخية في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ضئيلة للغاية، حيث لعبت الثورة الصناعية، في أوروبا خاصة، دورا سلبيا عبر أكثر من ثلاثة قرون من انبعاثات مدمرة للكوكب، وكانت الدول الأفريقية في المقابل مصادر للمواد الأولية وتعرضت لنهب ثرواتها خلال فترات الاستعمار؛ ثم لم تحظ بأي تعويض أو حتى مشاركة فعلية في المكاسب التي عادت على الدول المستعمرة دون غيرها.

ومع تطور القارة السمراء الآن تزداد الانبعاثات ومعها التحديات لنهوض قطاعات زراعية وصناعية وخدمية قادرة على المنافسة مع التحول إلى الطاقة النظيفة وأساليب الإنتاج المتطورة. ومع النمو الاقتصادي في أفريقيا مستقبلا تتضح الحاجة لفضله عن العوامل الخارجية البيئية السلبية مثل انبعاثات الكربون. وسوف تعمل مسارات التنمية الجديدة التي يتعين على البلدان الأفريقية الآن أن تسلكها على خلق الفرص مع تحول العالم إلى تكنولوجيات وأنماط استهلاك جديدة.

وهو ما يتطلب نقل التكنولوجيا المتقدمة والنظيفة، من ذلك إقامة صناعات لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتنمية موارد الطاقة المتجددة الكبيرة ولكن غير المستغلة في القارة. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف توازنا دقيقا للوصول إلى هذه الأهداف دون المساس بالتطلعات التنموية الطموحة للبلدان الأفريقية. وسيتطلب ذلك تخلي الدول الأفريقية عن مواردها الوفيرة من الوقود الأحفوري حتى تحقق التكيف مع التحول المناخي، وهي عملية انتقال مكلفة لإنشاء بنية تحتية جديدة للطاقة النظيفة. وسوف تكون هذه الخطوة صعبة للغاية للبلدان الأفريقية التي تعاني من الفقر المدقع والتهميش.

ولعل توفير التمويل هو المفتاح في هذه المعضلة الصعبة، وما تم اقتراحه من الأطراف العالمية في مؤتمرات المناخ السابقة من تمويلات لا يفي حتى الآن بالمستويات المطلوبة للتحول المناخي داخل القارة. وهذه قضية ملحة شغلت حيزا كبيرا في مؤتمرات المناخ السابقة وستظل محور الاهتمام الرئيسي في جدول أعمال المؤتمر المقبل في باكو.

وبالعودة إلى الصفقة الخضراء في أفريقيا، نجد أن الركيزة الأولى لها هي المشاركة في أسواق الكربون الطوعية حيث أن مثل هذه المشاركة يمكنها توفير مصدر بالغ الأهمية لتمويل التحول المناخي للقارة. وللتذكير فإن المفاوضات خلال الدورة 28 لمؤتمر الأطراف في الإمارات قد فشلت في وضع ضوابط تشغيل أسواق الكربون الطوعية بموجب المادة 6 من اتفاق باريس، بما في ذلك التسعير وتداول أرصدة الكربون وتعويضاتها.

وأدرجت هذه المفاوضات مجددا على جدول أعمال الدورة 29 لمؤتمر المناخ المقبل في العاصمة الأذربيجانية. ويؤكد ناشطو البيئة أن تحقيق أهداف المادة 6 يتطلب دمج المساءلة والشفافية في تصميم أنظمة مراقبة قوية لعمل أسواق الكربون الطوعية. كما يجب أن تعمل هذه الأنظمة أيضًا على حماية حقوق المجتمعات المحلية وتضمن التأثير الفعال على خفض الانبعاثات.

وتقدر قيمة أسواق الكربون الطوعية عالميا بنحو ملياري دولار سنويًا، مع إمكانية الوصول إلى تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2037، وفقًا لـ منظمة بلومبرج البحثية المتخصصة في مجال الطاقة وتوليد الفرص (BNEF). وهذا يمثل قيمة مضافة للالتزام السنوي بتمويل المناخ البالغ 100 مليار دولار والذي تم الاتفاق عليه في مؤتمر الأطراف 15 عام 2009 والذي لم يتم الالتزام به بعد، رغم سخاء مساهمات بعض الدول مثل الإمارات في مؤتمر المناخ الأخير بدبي.

وبالنسبة للبلدان الأفريقية، فإن تجارة الكربون توفر مصدرا جديدا للتدفقات المالية التي لا تخلف ديونا. كما تمتلك القارة أيضا أصولا فريدة وإمكانات غير مستغلة لتحقيق استقرار المناخ. ولتحقيق هذه الغاية، تم إطلاق مبادرة أسواق الكربون الأفريقية (ACMI) في مؤتمر (كوب 27) بشرم الشيخ للعمل مع الحكومات الأفريقية لضمان أسواق الكربون عالية النزاهة. وتجدر الإشارة إلى أن القارة هي موطن لحوض الكونغو، وهو مخزن حيوي للكربون يخزن أكثر من 30 مليار طن متري من الكربون.

وهذا يفوق الغابات الاستوائية مجتمعة في الأمازون وآسيا. مع ذلك، لاتزال مساهمة أفريقيا في توازن المناخ مقومة بأقل من قيمتها في تجارة سوق الكربون. وتمثل القارة 11% فقط من تعويضات الكربون المسجلة في العالم و2% من تجارة سوق الكربون العالمية. وهكذا، تبقى الآمال معلقة على مؤتمر باكو (كوب 29) لتبني سياسات عادلة تحدد الصفقة الخضراء لأفريقيا واتخاذ تدابير لرفع حصة القارة في أسواق الكربون، من ذلك مقايضة الديون مقابل العمل المناخي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة واتفاق باريس.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment