أمين الجميل: دفاع عن الإرث القيادي في مواجهة انتقادات نجاح واكيم

10/09/2024 - 19:28 PM

Prestige Jewelry

 

 

بيروت - كتب كريم حداد

في تصريح حديث، قال النائب السابق نجاح واكيم إنه “من غير المسموح أن يأتي رئيس للجمهورية مثل بشير وأمين الجميل”، وهو كلام يفتح باب النقاش حول إرث الرئيسين، خاصة الرئيس أمين الجميل، الذي تولى رئاسة الجمهورية في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها لبنان في تاريخه الحديث. إن الانتقادات الموجهة إلى الجميل تتطلب التوقف عندها بموضوعية والعودة إلى الوقائع التاريخية لتبيان دور هذا القائد الذي قاد البلاد وسط أزمات طاحنة، وسعى من خلال حكمته وعلاقاته الدولية إلى الحفاظ على ما تبقى من الدولة اللبنانية.

في عام 1982، بعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل، كان لبنان في حالة اضطراب غير مسبوق، حيث الحرب الأهلية مشتعلة والانقسامات الطائفية والسياسية في ذروتها، إلى جانب الاجتياح الإسرائيلي الذي أضاف طبقة أخرى من التعقيد للوضع الداخلي. انتخاب أمين الجميل رئيسًا للجمهورية في هذه الظروف لم يكن مهمة سهلة، إذ تسلّم مسؤولية البلاد في وقت كانت الدولة اللبنانية مهددة بالتفكك، والميليشيات المسلحة هي المسيطرة فعليًا على الأرض.

أمين الجميل، بفضل خبرته السياسية وعلاقاته الدولية الواسعة، استطاع أن يمسك بدفة القيادة في ظل هذه الفوضى. كان الرئيس الجميل من القلائل الذين حافظوا على خط متوازن بين رفض الاحتلالات الخارجية والعمل على حماية المؤسسات اللبنانية من الانهيار الكامل. فعلى الرغم من التحديات الهائلة، سعى إلى إعادة بناء الدولة وتعزيز وحدتها عبر دعم الجيش اللبناني كرمز وحيد للشرعية الوطنية في ظل انتشار الفصائل المسلحة.

دور الرئيس الجميل في الخارج: نضال دبلوماسي لتحرير لبنان

رغم الصعوبات الداخلية، لم يكن دور أمين الجميل محصورًا في الداخل فقط. فقد لعب دورًا أساسيًا على الساحة الدولية من خلال استغلال علاقاته وشبكة اتصالاته الدبلوماسية لنقل قضية لبنان إلى المحافل العالمية. من خلال زياراته الدولية ومحاضراته ولقاءاته مع القادة والدبلوماسيين، كان الجميل يرفع الصوت عاليًا للمطالبة بتحرير لبنان من الاحتلالين السوري والإسرائيلي، واللذين كانا يهيمنان على مقدرات البلاد ويحولان دون عودة الاستقرار إليها.

أبرز ما ميز مرحلة الجميل هو قدرته على إقناع الدول الكبرى والمؤسسات الدولية بضرورة الضغط على القوى المحتلة لتنفيذ القرارات الأممية، مثل قرار مجلس الأمن 425 الذي دعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وقرار 520 الذي شدد على احترام استقلال لبنان ووحدته. في كل المنابر التي صعد إليها، كان الرئيس الجميل يوضح أن استمرار الاحتلالات يشكل تهديدًا مباشرًا لسيادة لبنان ويعرقل أي محاولة حقيقية لإعادة بناء الدولة اللبنانية.

أثناء إقامته في الخارج، وتحديدًا في باريس، لم يقتصر نشاط الجميل على الدبلوماسية الرسمية فقط. فقد استطاع تحفيز الجاليات اللبنانية في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا لتلعب دورًا مهمًا في الضغط على الحكومات الأجنبية، مطالبًا بتبني مواقف حازمة ضد الاحتلالات الأجنبية. كان الرئيس الجميل حريصًا على التواصل المستمر مع المغتربين، مشددًا على ضرورة الوقوف مع لبنان في أحلك الظروف والمساهمة في نضاله من أجل التحرر.

لم يتوقف الجميل عند هذا الحد، بل استغل منصات الجامعات والمراكز البحثية الكبرى ليشرح رؤيته حول مستقبل لبنان كدولة ديمقراطية محايدة. كان يسعى دومًا إلى طرح أفكار واضحة حول كيفية إعادة بناء مؤسسات الدولة بعيدًا عن أي وصاية خارجية، مستندًا إلى قناعة ثابتة بأن لبنان يجب أن يكون حراً ومستقلاً بعيداً عن أي تأثيرات خارجية.

لا يمكن النظر إلى فترة حكم أمين الجميل بمعزل عن الظروف العصيبة التي واجهها لبنان. فالانتقادات التي توجه إليه من بعض الأطراف، ومنها تصريحات نجاح واكيم الأخيرة، تتجاهل أحيانًا تلك الحقيقة. لقد ورث الجميل بلداً ممزقاً بين الميليشيات والطموحات الخارجية، ومع ذلك تمكن من الحفاظ على شرعية الدولة في ظروف تكاد تكون مستحيلة.

كما أن نضاله الدبلوماسي في الخارج كان حاسمًا في إبقاء قضية لبنان على جدول أعمال الدول الكبرى. لقد أثبت أن القيادة الحقيقية لا تتطلب وجودًا دائمًا في الداخل، بل تتطلب قدرة على نقل الصوت اللبناني إلى كل منبر عالمي للدفاع عن سيادة الوطن وحقوقه المشروعة.

في ظل الأزمات الحالية التي يمر بها لبنان، لا يمكن إنكار أهمية وجود قيادة تتمتع بخبرة عميقة وشبكة علاقات دولية واسعة. إن الرئيس أمين الجميل، الذي عايش أصعب مراحل لبنان واستطاع الحفاظ على تماسك البلاد قدر الإمكان، يمثل نموذجًا للقيادة التي يحتاجها لبنان اليوم. فبعدما أظهرت التجارب السابقة أن لبنان لا يمكنه الصمود دون دعم دولي، فإن الاعتماد على شخصية مثل الجميل، الذي يعرف تمامًا كيفية استخدام الدبلوماسية الدولية لحماية مصالح لبنان، قد يكون خطوة أساسية نحو إعادة بناء البلاد.

الرئيس أمين الجميل كان وسيظل رمزًا للسيادة الوطنية وللنضال ضد الاحتلالات الخارجية. لقد أثبت خلال مسيرته السياسية أن القيادة تتطلب شجاعة وصبرًا في مواجهة التحديات، وقدرة على استغلال العلاقات الدولية لخدمة مصلحة الوطن. في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان، من الضروري الاستفادة من هذه الخبرات العميقة لضمان انتخاب رئيس للجمهورية قادر على استعادة الاستقرار وإعادة بناء الدولة اللبنانية على أسس ثابتة ومستقلة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment