د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
الهجوم الإسرائيلي المذهل على حزب الله، وقتل قادته، وتدمير مخازن أسلحته، يشكل نقطة تحول نحو نهاية طموحات إيران التوسعية في المنطقة العربية، ويضع الأساس لظهور شرق أوسط ديناميكي وسلمي والحديث في نهاية المطاف، خصوصا هناك ترتيبات اقتصادية تقودها السعودية وأمريكا في الإعلان عن الممر الهندي الأوروبي تطمح إسرائيل أن تكون شريكة في هذا الممر بعدما فشلت تاريخيًا في الاندماج الإقليمي، رغم التوصل في كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل إلى اتفاقيات، والتطبيع بموجب صفقة القرن في عهد ترمب بين الإمارات والبحرين والمغرب، لكنها تطمح إسرائيل بإقامة علاقة مع السعودية، فيما تضع السعودية شرطا في إنهاء الصراع مع الفلسطينيين بإقامة إسرائيل دولة فلسطينية، لكن محور المقاومة بقيادة إيران يرى في إقامة دولة فلسطينية مستقلة خيانة، كذلك هناك في الداخل الإسرائيلي من يرفض إقامة الدولة الفلسطينية، لكن جهود الدبلوماسية السعودية توصلت إلى موافقة 147 دولة على إقامة دولة فلسطينية، واتجهت إلى إعلان تحالف دولي أعلنه وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان من نيويورك تدعمه أوروبا بسبب أنها خسرت الطاقة الرخيصة القادمة من روسيا، فهي تطمح أن تحصل على الطاقة النظيفة والمتجددة من دول الخليج.
هناك خلاف حاد بين بايدن ونتنياهو الذي يستثمر التنافس الانتخابي في أمريكا، ونصح بايدن نتنياهو بعدم التعرض في رد إسرائيل على الضربات الإيرانية للنووي الإيراني ومصافي النفط التي تؤثر على أسعار النفط تنعكس بشكل مباشر على الانتخابات الأمريكية، رغم ان رد إيران بصواريخها على إسرائيل كانت هيكلية وليست حقيقية، أتت الضربة بعد هجمة سيبرانية، أصابت عدد من الأهداف، وحملت إسرائيل عبر وزير المالية اليمين سموتريتش أن بايدن لم يساعد إسرائيل في صد هذه الصواريخ، ومعظمها سقطت على الأرض دون عوائق، بذلك خان بايدن إسرائيل، وطلب وزير الدفاع الإسرائيلي جالانت زيارة أمريكا للالتقاء بوزير دفاع أمريكا لويد أوستن، لكن منعه نتنياهو، ولم يذهب جالانت وجرى نحو 70 أتصالا بينه وبين وزير دفاع أمريكا أوستن منذ طوفان الأقصى، لكن بايدن منزعج من نتنياهو، وحدث بينهما شد وجذب حتى أن بوب ودوارد نقل عن بايدن وصفه نتنياهو بالفتى السئ، لكن في اتصال بايدن بنتنياهو في 9/9/2024 استمر 50 دقيقة وافق بايدن لإسرائيل على ضرب إيران بعد خسائرها الكبيرة في لبنان، وطلب نتنياهو من بايدن مساندة إسرائيل في هذه الضربات التي قد تتجنب هذه الضربات النووي ومصافي النفط.
وقادت السعودية ودول عربية وغربية في بيان مشترك تدعو إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله لمدة 21 يومًا، لكن وزير خارجية ايران عراقجي نسف السلم المتكامل، وقال لا قيمة للأمتار، وكأنه يدعو إلى التلاحم البري كما حدث في غزة حتى وصلت إسرائيل إلى معبر رفح، لكن نعيم قاسم نائب أمين حزب الله وكل الرئيس نبيه بري بقيادة المرحلة السلمية، وفصل الساحة اللبنانية عن ساحة غزة، رغم ذلك وضعت إسرائيل شرطا آخر بعدما وافق حزب الله على فصل الساحات لن تتجه لوقف النار في جنوب لبنان بموافقة السينوار على الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، ولا زالت إسرائيل تواصل نهجها وقصف مبنى قرب سفارة إيران في دمشق في حي المزة وتقتل 7 أشخاص منهم نائب قاني.
تمر المنطقة بتحولات تاريخية، رغم أنه عام الحصيلة الثقيلة، بعدما كانت إيران تبطش والسعودية تصلح، نهجها الكثير من العمل والقليل من الكلام، وتقاليد دبلوماسية راسخة لا تتغير في الرخاء ولا في الشدة، تلتزم بقيمها الدينية والعربية الأصيلة، قلما نجدها في دول أخرى، وقد أرسل سيف الإسلام القذافي رسالة لإردوغان يقول فيها لقد حاولنا منازعة السعودية الزعامة العربية والإسلامية وحاول صدام أيضا، وقبله عبد الناصر، وفي النهاية بقيت السعودية زعيمة للعالم العربي والإسلامي وذهبنا نحن، وفي رسالة أخرى قال لو علم العرب ما تكنه السعودية لهم من حب وسعي للخير لهرولوا لطلب رضاها.
فيما كانت إدارة بايدن لمعاقبة الاعتدال في المنطقة ومكافأة التطرف والإرهاب، فقط من أجل دخول إيران في الفضاء الأمريكي عبر مغريات كجزرة، لأن أمريكا تنظر إلى إيران من منظور جيوسياسي يكبح جماح النفوذ الروسي وكان أحد أسباب المجئ بالخميني 1979، لكن إسرائيل ترفض هذه المغريات، تتذكر إتمام صفقة الاتفاق النووي 2015 دون الأخذ في الاعتبار التحفظات الإسرائيلية، رغم أن ما يدور بين إسرائيل وإيران في إطار التنافس الجيوسياسي في المنطقة العربية، وإن كانت أمريكا تستخدم إسرائيل أيضا كعصا، ويسعون للاتفاق معها الذي قتل الملالي وقتلت أذرعها الملايين، وتلوح في نفس الوقت أمريكا لإيران بورقة رضا بهلوي لتهديد الملالي بقلعهم وإخراجهم من أرض الآريين الذي يطالب العالم بعدم قصف بلاده، ويعلن استعداده للإطاحة بخامنئ سلميا، وأن لديه فريق مستعد بالداخل الإيراني ليسود السلام في المنطقة.
اتبعت الولايات المتحدة منذ هجمات 7 أكتوبر سياسة مجزأة مبنية على رد الفعل، حتى الآن لم تتمكن من رسم المشهد الاستراتيجي أو ممارسة النفوذ على حلفائها الإقليميين، رغم انها أظهرت الردع عندما أرسلت تعزيزاتها العسكرية إلى المنطقة حتى لا يتوسع الصراع إلى حرب إقليمية كبيرة، وهي بذلك تصبح الولايات المتحدة النقطة المحورية للدبلوماسية الإقليمية، وترى استراتيجية الولايات المتحدة الحل في الدبلوماسية، لأنها ترى أن الحلول العسكرية تتطلب هزيمة شاملة لأحد الأطراف، وهو ما لا تريده، وهي من تجعل الحل العسكري بعيد المنال، وفي نفس الوقت لا تريد لإسرائيل ان تبقى معزولة أو تشعر بأنها مهددة وجوديا مما يجعلها أقل استعدادا لتقبل الحلول السلمية وعلى رأسها قبول الدولة الفلسطينية المستقلة، وفي نفس الوقت تحاول الولايات المتحدة تحقيق توازن في الضغط بطرق يمكن تغيير سلوك إسرائيل دون تقييد قدرتها على تحقيق الهدف المشروع المتمثل في هزيمة حماس الذي يساهم في تغيير سلوك إيران في التخلي عن أذرعها في المنطقة.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية سابقا بجامعة أم القرى










10/09/2024 - 15:10 PM





Comments