رامز الحمصي
حتى الأمس، ما تزال إسرائيل تضرب العديد من المقار التابعة للميليشيات الإيرانية في سوريا، وآخرها ما حصل في حِمِّص من استهداف سيارات تحمل اللوحة العراقية في المنطقة الصناعية “حسياء” جنوب حمص، وأخرى ليلا على مستودعات للأسلحة في منطقة شنشار أيضا جَنُوب حِمِّص.
هذا القصف لم يكن الأعنف أو الأقوى على مراكز للميليشيات التي تمولها إيران، إذ ما حدث في الثالث من تشرين الأول/أكتوبر الجاري وهنا نتحدث عن يوم الخميس الفائت، كان اللافت، حيث استهدفت إسرائيل خلال 50 دقيقة عددا من المنشآت العسكرية على طول الساحل السوري.
وفقا لشهود عيان حينها، فإن النيران اشتعلت في مناطق حول مطار اللاذقية بعد سلسلة انفجارات، وأكدوا وقوع ضحايا وجرحى، وعلى ما يبدو أن “تفاهم سري مسبق” كان مبرم بين تل أبيب والقوات الروسية في سوريا لإتمام هذه الضربة التي أتت من البحر بحوالي ثلاثين صاروخا دون تدخل يذكر من الدفاعات الجوية المتمركزة هناك بكثافة.
اليوم وبعد مرور عام كامل على ما أسمتها “حماس” معركة “طوفان الأقصى”، التي انطلقت في السابع من أكتوبر 2023، نرى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ركب موجتها وحول دفتها نحو جميع من يقلقون استقراره، بداية من اجتياح غزة وقتل كبار قادة “حماس” داخل غزة وخارجها كنائب رئيس الحركة في لبنان، صالح العاروري، ورئيس الحركة في قطر، إسماعيل هنية، والذي كان بزيارة في إيران، ثم انطلق نحو “حزب الله”، الذي أباد قادة الصف الأول والثاني فيه بثماني أيام حتى رأس هرم الحزب، حسن نصر الله، وقصف أذرع إيران في سوريا واليمن والعراق وحتى وصل طوفانه إلى إيران ذاتها.
على هذا السياق، ومن بوصلة التحركات الأخيرة لتل أبيب التي نستند عليها في هذا التحليل، يقودنا السؤال إلى: هل أعاد الرئيس السوري بشار الأسد قراءة العلاقة بينه وبين “حزب الله” والميليشيات الإيرانية وفق المعطيات التي حصلت أو ستحصل في المنطقة؟
من البداية
مع مرور عام كامل على ما أطلقت عليه حركة “حماس” معركة “طوفان الأقصى” التي بدأت في 7 أكتوبر 2023، شهدت المنطقة تحولات دراماتيكية في موازين القوى وطبيعة التحالفات. اليوم، باتت الصورة أكثر وضوحًا حول الدور السوري، فدمشق تبنت موقفًا متحفظًا، محاولًا البقاء بعيدًا عن النزاع المباشر مع إسرائيل. ومع ذلك، هذا الموقف السلبي لا يعني أن الأسد لم يعيد التفكير في علاقته التاريخية مع حلفائه التقليديين، “حزب الله” والميليشيات الإيرانية.
لفهم التحولات الحالية، من الضروري استعراض تاريخ العلاقات بين سوريا و”حزب الله” وإيران. العِلاقة بين سوريا و”حزب الله” وإيران تقوم على المصالح المشتركة وما أطلقوا عليه “المقاومة” المشتركة ضد إسرائيل. فمنذ تأسيس “حزب الله” في الثمانينيات بدعم من “الحرس الثوري” الإيراني، كانت سوريا هي الوسيط الذي يسهل التنسيق بين الحزب وطهران، ويوفر الأسلحة والتمويل. وقد كانت العلاقة تتعمق مع مرور الوقت، حيث دعم “حزب الله” الأسد في حربه ضد المعارضة والمحتجين التي بدأت عام 2011، وأرسل آلاف المقاتلين للدفاع عن نظامه.
بالنسبة لسوريا، “حزب الله” كان بمثابة ذراع عسكري موثوق به لمواجهة أي تهديد. وفي المقابل، كان الأسد يفتح الأبواب أمام تسليح “حزب الله” وتزويده بكل ما يحتاجه من دعم لوجستي وسياسي. أما إيران، فكانت تدير شبكة معقدة من الميليشيات في سوريا، من بينها قوات “الحرس الثوري” و”فيلق القدس” وغيرهما من الجماعات المسلحة التي دعمت النظام السوري بشكل مباشر.
وهذا التعاون نختصره بهذه التواريخ:
– 1980: بداية التحالف السوري-الإيراني خلال الحرب العراقية-الإيرانية.
– 1982: تأسيس “حزب الله” في لبنان بدعم إيراني وسوري.
– 2000-2011: تعزيز العلاقات الثلاثية وتشكيل ما عُرف بـ “محور المقاومة”.
– 2011-2023: دعم إيران و”حزب الله” لمنظومة الرئيس السوري بشار الأسد خلال الحرب.
7 أكتوبر: نقطة تحول في العلاقة؟
مع اندلاع “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، بدا أن سوريا تتخذ موقفًا مختلفًا. على الرغم من أن الضربات الإسرائيلية طالت الميليشيات الإيرانية و”حزب الله” في سوريا، إلا أن دمشق لم تدخل في مواجهة مباشرة. هذه الحيادية الظاهرية تثير تساؤلات حول كيفية قراءة الأسد للأحداث وتفكيره في استراتيجيته المستقبلية.
من خلال مراجعة التحركات العسكرية والسياسية التي اتخذتها دمشق بعد “طوفان الأقصى”، يمكن الاستنتاج بأن الأسد بدأ في إعادة تقييم جدية لعلاقته مع “حزب الله” وإيران. هذا التقييم ينبع من عدة عوامل رئيسية:
1. العبء الأمني والاقتصادي: الدعم المستمر لـ”حزب الله” والميليشيات الإيرانية يأتي على حساب موارد سوريا، التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة بعد سنوات من الحرب والعقوبات الدولية. فالتورط في صراعات إقليمية جديدة يعني المزيد من الاستنزاف لسوريا التي تحاول حاليًا إعادة بناء نفسها.
2. الموقف الروسي: روسيا، الحليف الأبرز لسوريا، تبدو أكثر حذرًا من التورط في صراع مباشر مع إسرائيل. موسكو حافظت على علاقات جيدة مع تل أبيب، وقد تكون نصحت الأسد بتجنب أي تصعيد من شأنه أن يؤدي إلى حرب واسعة. الأسد، الذي يعتمد بشكل كبير على الدعم الروسي، قد يكون أخذ هذا التحذير في الاعتبار.
3. التغييرات الإقليمية: المشهد السياسي الإقليمي تغير كثيرًا بعد “طوفان الأقصى”. العلاقات الدبلوماسية بين بعض الدول العربية وإسرائيل تطورت، وقد ترغب سوريا في البقاء خارج أي صراعات إقليمية قد تعرقل فرص تحسين علاقاتها مع بعض هذه الدول.
يقول الدكتور محمود الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة “دمشق” لـ”الحل نت”: “لقد أدرك الأسد أن الانخراط المباشر في الصراع قد يقوض جهوده لإعادة تأهيل نظامه دوليًا وإقليميًا، لذلك تشير التحليلات إلى أن سوريا:
– تجنبت الرد العسكري المباشر على الغارات الإسرائيلية.
– قللت من التصريحات العدائية تجاه إسرائيل مقارنة بالسنوات السابقة.
– سعت لتعزيز علاقاتها مع الدول العربية، بما في ذلك تلك المتصالحة مع إسرائيل.
دمشق تعلن الاستغناء عن “حزب الله”؟
حتى مع إرسال بشار الأسد بطاقة عزاء لأسرة حسن نصرالله، أمين عام “حزب الله”، بعد مقتله بثلاثة أيام، إلا أن الجدير بالذكر دمشق قد لا ترى نفسها في حاجة ماسة لـ”حزب الله” كما كان الحال في السابق.
فالوضع العسكري في سوريا تغير؛ الحرب هدأت، والأسد تمكن من إعادة السيطرة على معظم الأراضي السورية. هذا يعني أن دمشق تشعر بأنها قادرة على تأمين نفسها داخليًا دون الاعتماد الكامل على “حزب الله” أو الميليشيات الإيرانية.
إضافة إلى ذلك، فإن أي مواجهة جديدة مع إسرائيل قد تجلب المزيد من الضربات الإسرائيلية للأراضي السورية. الضربات التي تستهدف في كثير من الأحيان مواقع إيرانية وأخرى تابعة لـ”حزب الله” داخل سوريا. في ظل هذا السياق، قد يفضل الأسد تقليل هذا التواجد العسكري لتجنب المزيد من الضربات التي يمكن أن تعطل جهود إعادة الإعمار.
ومع تصاعد الضربات الإسرائيلية ضد “حزب الله”، بدا أن دمشق تتخذ موقفًا أكثر حذرًا في علاقتها مع الحزب. مصدر دبلوماسي عربي، كشف لـ”الحل نت” طلب عدم الكشف عن هويته: أن “الأسد يدرك أن وجود حزب الله في سوريا قد يجعلها هدفًا لضربات إسرائيلية دون حدود”.
ووفقا للمصدر الدبلوماسي، فإن دمشق اتخذت عدت قرارات مؤخرًا، وتحديدًا منذ نقل نتنياهو الحرب إلى قلب بيروت، ومن ضمن هذه القرارات:
– تقليص الوجود العلني لعناصر “حزب الله” في سوريا.
– الحد من التنسيق العسكري المباشر مع الحزب.
– زيادة التركيز على التعاون الاقتصادي بدلاً من العسكري.
تحول في الخطاب الإعلامي السوري
منذ أن بدأت فيها “حماس” المعركة مع إسرائيل، لوحظ تغير ملحوظ في الخطاب الإعلامي السوري تجاه قضايا المنطقة. يقول الدكتور فراس السعيد، أستاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية: “هناك تحول واضح نحو لغة أكثر دبلوماسية وأقل تصعيدًا في الإعلام السوري الرسمي”.
هذا النسق في نهج دمشق تصاعد حتى وصل إلى عدم بث أغلب خطابات زعيم “حزب الله”، حسن نصرالله، بل ركز الأسد في أغلب ظهوره الإعلامي على القضايا السوري، والحديث بشكل سطحي عن دعمه لغزة دون ذكر “حماس” أو دخوله في “جبهة الإسناد” التي تروج لها الميليشيات المدعومة من طهران.
بل إن السعيد لفت إلى أن دمشق، قللت من الهجوم اللفظي المباشر على إسرائيل في وسائل الإعلام الرسمية، وزادت التركيز على قضايا إعادة الإعمار والتنمية في التغطية الإعلامية، كما تجنبت التعليق المباشر على العمليات العسكرية لـ “حزب الله” أو إيران ضد إسرائيل.
معركة الأجنحة داخل دمشق
رغم كل المعطيات السابقة، إلا أنه من المؤكد أن يكون هناك انقسام داخل النظام السوري حول كيفية التعامل مع الوضع الجديد. بعض المسؤولين العسكريين، وخاصة أولئك المرتبطين بشكل وثيق بإيران، قد يفضلون الحفاظ على التحالف الوثيق مع “حزب الله” والميليشيات الإيرانية.
في المقابل، هناك جناح آخر، ربما بقيادة الأسد نفسه أو مقربين منه، قد يرى في تقليل الارتباط بإيران فرصة لتحسين العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية الأخرى.
هذا الانقسام قد يظهر بوضوح في الأشهر القادمة، حيث سيكون على الأسد أن يتخذ قرارًا صريحًا بشأن الاستراتيجية المستقبلية لسوريا في المنطقة، لا سيما بعد إعلان نتنياهو الرسمي، أنه “سيغير وجه الشرق الأوسط”.
تشير تحليلاتنا إلى أن الأسد يعطي الأولوية لإعادة إعمار سوريا وتحقيق الاستقرار الداخلي على حساب الانخراط في صراعات إقليمية. يقول الدكتور سمير الخطيب، خبير الاقتصاد السياسي: “الأسد يدرك أن بقاء نظامه يعتمد على تحسين الظروف المعيشية للسوريين أكثر من أي شيء آخر، وهذا ما تحدث به حين اجتمع مع الحكومة السورية الجديدة التي تشكلت حديثًا”.
المهام التي برزت خلال هذا الاجتماع كانت كفيلة بتحديد خط سير الأسد الحالي، التي منها زيادة الجهود الدبلوماسية لرفع العقوبات الدولية، والتركيز على جذب الاستثمارات من دول الخليج وروسيا والصين، ومحاولات لإعادة اللاجئين السوريين وإدماجهم في عملية إعادة الإعمار.
تحركات نتنياهو: من غزة إلى طهران
ما يجب ملاحظته هو أن تصعيد نتنياهو ضد “حزب الله” وإيران لم يكن محصورًا فقط في لبنان وسوريا، بل امتد ليشمل ميلشيات إيرانية في العراق واليمن، وحتى استهداف مواقع داخل إيران نفسها. هذا التصعيد دفع العديد من المحللين للتساؤل حول ما إذا كان الأسد يرى أن استمرار تحالفه الوثيق مع “حزب الله” وإيران قد يجعله عرضة لضربات إسرائيلية أكبر في المستقبل.
في الواقع، ربما تكون دمشق قد توصلت إلى استنتاج مفاده أن إسرائيل، تحت قيادة نتنياهو، لم تعد تكتفي بضرب الأهداف التقليدية، بل إنها تسعى لتوسيع نطاق عملياتها ليشمل كل من يعتبرونه تهديدًا لأمنها القومي. في هذا السياق، قد تكون سوريا تبحث عن تقليل تواجد الحلفاء الإيرانيين على أراضيها، أو على الأقل ضبط هذا التواجد ليكون أقل لفتًا للنظر.
رغم استمرار التحالف الاستراتيجي مع إيران، تشير الأدلة إلى أن سوريا تسعى لتحقيق توازن أدق في علاقتها مع طهران. يقول الدكتور علي رضا، الباحث في الشؤون الإيرانية لـ”الحل نت”: “الأسد يحاول الموازنة بين الحاجة إلى الدعم الإيراني والرغبة في تجنب الاستفزاز الإسرائيلي المباشر”.
وعليه، بعد مرور عام كامل على معركة “طوفان الأقصى”، يبدو أن الرئيس السوري بشار الأسد يواجه معضلة استراتيجية معقدة. فمن ناحية، يعتمد على “حزب الله” والميليشيات الإيرانية كجزء من تحالفه الأمني والعسكري. ومن ناحية أخرى، قد يرى أن التحالف مع هذه الجهات يجعله عرضة للمزيد من الضربات الإسرائيلية والتوترات الإقليمية.
الأسد قد يكون بدأ في إعادة قراءة العلاقة مع “حزب الله” وإيران على ضوء التطورات الأخيرة. بينما تبقى هذه العلاقة متجذرة في المصالح المشتركة والتاريخ الطويل من التعاون، إلا أن التحولات السياسية والعسكرية في المنطقة قد تدفع دمشق إلى تبني نهج جديد.
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني قطيعة كاملة مع الحلفاء التقليديين، بل إعادة تعريف للعلاقات بما يخدم مصالح الأسد نفسه في المرحلة الراهنة. يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة الأسد على الموازنة بين هذه المصالح المتضاربة في ظل بيئة إقليمية متقلبة ومعقدة؟










10/07/2024 - 10:03 AM





Comments