ألفة السلامي
يتنافس في هذه الانتخابات الرئاسية التونسية الثالثة منذ 2011 كلّ من الرئيس المنتهية ولايته قيس سعيّد (66 عاما) وأمين حركة الشعب ذات التوجه القومي العروبي زهير المغزّاوي (59 عاما)، إضافة إلى العياشي زمّال (47 عاما) البرلماني السابق، وهو مهندس ورجل أعمال انتمى لحزب تحيا تونس ثم أسس حركة عازمون إلى حين ترشحه للرئاسية وهو مسجون حاليا بتهمة "تزوير تزكيات" استخدمها في دعم ملفه للترشح.
وقد اتسمت الحملة الانتخابية الرئاسية بالفتور إذ مرت خالية من الاجتماعات الجماهيرية أو المناظرات بين المرشحين الثلاثة في ظل غياب التنافسية مع وجود "الزمّال" في السجن تلاحقه جرائم انتخابية ومحدودية شعبية "المغزّاوي" خاصة وأنه كان مؤيدا بقوة للرئيس سعيّد قبل اعتزامه الترشح.
ومن بين الأسباب الأخرى التي تفسر الفتور وخفوت الحركية الإعلامية والميدانية ضعف حجم الإنفاق الانتخابي الذي تم تحديد سقفه بـ 150 ألف دينار في الدور الأول، و100 ألف دينار في الدور الثاني، وهي مبالغ هزيلة وفقا لعدد من المراقبين ولا تسمح بتنظيم حملات دعائية وتحركات ميدانية في مستوى الاستحقاق.
ومما زاد على ذلك استبعاد ملفات 14 مترشحا من طرف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات. وقد تجاوز إجمالي الناخبين المسجلين 9.7 مليونا، منهم 630 ألف مواطن في الخارج. وقد وجه الرئيس التونسي كلمة مساء الخميس، دعا فيها مواطنيه إلى الذهاب إلى مراكز الاقتراع والتصويت بكثافة في 5 آلاف مركز اقتراع يوم 6 أكتوبر في الداخل، وأيام 4 و5 و6 أكتوبر في الخارج، بهدف التصدي لما سماه "المحاولات اليائسة البائسة لزرع بذور الفتنة وبث الإحباط والاستسلام".
جاء ذلك على خلفية دعوات صدرت من عدة أحزاب معارضة مثل "العمال" و"التكتل" و"الاشتراكي" و"القطب" و"المسار الديمقراطي الاجتماعي" إلى مقاطعة الانتخابات بدعوى "عدم وجود أي مناخ ديمقراطي ملائم" في حين اعتبرت حركة النهضة، الخصم التقليدي للرئيس، أنه "لا يوجد أي مناخ ديمقراطي ملائم" للانتخابات الرئاسية. وتساند أحزاب أخرى ترشّح الرئيس سعيد لولاية ثانية، منها "التيار الشعبي" وحركة "تونس إلى الأمام".
ومما وسّع دائرة الجدل قبل انطلاق الانتخابات قرار هيئة الانتخابات برفض اعتماد بعض الجمعيات (لم تذكر أسماءها) لمراقبة الانتخابات الرئاسية، والسبب تلقيها "تمويلات أجنبية مشبوهة". لكن ردُّ الجمعيات أكد أن المرسوم رقم 88 لعام 2011، المنظم لعمل الجمعيات في تونس، لا يمنع الحصول على تمويلات أجنبية، بينما أوضحت هيئة الانتخابات أن المادة 35 من المرسوم تنص على ضرورة "نشر الجمعية لقيمة المساعدات والتبرعات والهبات الأجنبية وذكر مصدرها وموضوعها بإحدى وسائل الإعلام المكتوبة وبالموقع الإلكتروني للجمعية إن وجد، في ظرف شهر من تاريخ قرار طلبها وأن تُعلم الكاتب العام للحكومة بكل ذلك في خطاب مضمون الوصول".
ويتراوح موقف التونسيين تجاه الانتخابات الرئاسية بين الرغبة في المشاركة بكثافة للخروج من الإحباط والبناء على مكاسب المراحل السابقة لتجنيب تونس مخاطر داخلية وخارجية في ضوء الأزمة الإقليمية المتفاقمة في المنطقة وتقديم حلول واقعية خوفا من زيادة التأزم، وبين عزوف ناخبين عن المشاركة بعد انصرافهم عن الاهتمام بالشأن العام والانغماس في ظروفهم المعيشية المتزايدة الصعوبة منذ ثورة 2011 وما أعقبها من مراحل وحكومات خيبوا أملهم في تحقيق معادلة الديمقراطية والتنمية وضمان مستوى حياة أفضل يخفف معاناتهم المتراكمة خلال حقب حكم بن علي وعشرية الانتقال الديمقراطي.
وهكذا فإن قيس سعيّد يتقدّم إلى كرسي الرئاسة بدون مفاجآت متوقعة في هذه الانتخابات وبصورة تكاد تكون محسومة لصالحه رغم دعوات قوى المعارضة بخياري المقاطعة أو التصويت بكثافة لمنافسه المسجون العياشي زمّال. ولكن سعيّد سيواجه بلا شك خلال السنوت الخمس المقبلة تحديات أكبر مما سبق حيث يزيد الوضع الاقتصادي صعوبة كل يوم مع تدني القدرة الشرائية للتونسيين في مقابل ارتفاع أسعار المنتجات وشح المعروض وضعف الإقبال.
وقد تخطت نسبة البطالة حاجز الـ 16% فيما بلغت نسبة التضخم حوالي 7 % وتراجع قدرة التونسيين على سداد فواتيرهم وتلبية متطلباتهم؛ هذا مع ارتفاع نسبة الدين الداخلي إلى نحو 24.9% مقابل 20.5% خلال نفس الفترة من سنة 2023، وفقا لتقرير حديث لوزارة المالية.
وفي ظل غياب حلول إصلاحية حقيقية للحكومات المتعاقبة، من المرجح المضي قدما في المزيد من التداين الداخلي والخارجي خاصة في ضوء الخيارات المحدودة أمام الحكومة التي لم تستطع تأمين إلا ما يقارب الـ 50% من الموارد المتأتية من القروض والهبات مع نهاية يونيو الماضي؛ بالتالي، قد يكون الحل مستقبلا المزيد من الالتجاء إلى الاقتراض الداخلي من البنوك التجارية المحلية أو اتفاقيات قروض جديدة مع المؤسسات المالية الدولية والإقليمية بعدما بلغت القروض حتى يوليو الماضي 3.2 مليار دولار من مختلف الدول والمؤسسات المالية الدولية.
أما على المستوى السياسي فينتظر قيس سعيد سنوات ساخنة وسيكون عليه أن يؤكد للتونسيين أنه أيقونة الإصلاح، قادر على تحقيق مشروعه الاجتماعي والتنموي الذي ولد من رحم بيئة ديمقراطية عززت فرص نجاحه في ولايته الأولى. ولن يكون هذا العمل من أجل التنمية هينا في ولايته الثانية في ضوء توسّع الحزام المعارض الذي تقوده في العلن والخفاء جبهة الخلاص الوطني بقيادة النهضة وحلفائها بل سيحتاج الأمر إلى مضاعفة العمل والمجهود المطلوب من الحكومة حتى تحقق مكاسب في مستوى تطلعات المواطنين.










10/06/2024 - 12:37 PM





Comments