بقلم: ألفة السلامي
المثل القائل بأن العمر مجرد رقم يوحي بالنفاق أو فلنقل المجاملة، لأن التقدم في العمرِ دائما محاط بالمخاطر. لكنْ من باب الإيجابية ورفع الحالة المعنوية يردد الجميع أن الأهم من سنوات العمر هو مدى شعور الأشخاص "بالشباب" وليس مظهرهم أو حديثهم أو مشيتهم أو سلوكهم. في معظم الأحيان نتساءل كيف أسرعت الأيام بنا وكيف كبر أبناؤنا دون أن نشعر أو نستمتع كما ينبغي بطفولتهم وصباهم وشبابهم. والكثيرون منا مازالوا يشعرون بأنهم في العشرين أو الثلاثين إلى أن يفاجؤوا بالسؤال: كم عمرك؟
شخصيا، أجيب عن طيب خاطر، ربما لأنني لا أشعر أني كبيرة لدرجةٍ أن السؤال غير لائق أو يتضمن نوعًا من الوقاحة! لكن السؤال مع ذلك يدعوني لحساب سنوات العمر؛ كم عمري… أربعين… خمسين… قبل بضع سنوات كنت ثلاثين. يا إلهي كيف تتسرب سنوات العمر؟! في أحد الأيام القريبة إلى ذهني كنت أريد أن أصبح صحفية عندما أكبر!
اليوم أنظر في صندوق بريدي الأليكتروني فأجد رسالة من البنك يدعوني للتفكير في الاشتراك بصندوق الادخار للمتقاعدين مع استعراض المزايا الكثيرة عند دفع اشتراك شهري كبير حيث أن التقاعد على الأبواب، بينما مازلت أريد أن أصبح صحفية وأرى أن ما أنجزته مازال يقبل الزيادة حتى أحقق حلمي الذي لا يكبر!
أمسك بدفتر صغير عليه ملاحظات من مختلف مراحل العمر-فأنا من جيل الكنش واليوميات المكتوبة باليد-وأجد أن هناك العديد من الأماكن التي دونتها في شبابي ولم أزرها بعد. كنت قد كتبتُ أمامها ملاحظة أراها طريفة بعيون اللحظة: "أنا لا أستطيع الانتظار حتى أكبر لأزورها ". تعليقاتي في مذكراتي تؤيد الشيخوخة بشكل حماسي.
أداعب جدتي وأمي، وهما تخوضان معركة يومية مع التجاعيد والرمادي؛ أقول إني وجيلي سنحتضن شيخوختنا ونتصالح مع علامات الزمن عندما نصل لمثل عمركما. أردد داخل نفسي: "عندما أكبر لن أباليَ، سأركب قطار الحكمة وأتجول في محطات الخبرة وسأحبُّ شعري الأبيض وتجاعيدي.
بصراحة، لقد أمضيت حياتي متمنية لو كنت أكبر سنًا، ربما بحكم نشأتي في المنتصف بين أبناء أكبر وأبناء أصغر فأبحث دائما عن التحقّق، أو ربما لأني كثيرة الأحلام والطموحات المبكرة التي تتوق لتقدم الزمن حتى تتحقق، أو ربما أيضا لأن رأسي كانت مليئة بالأسئلة الفلسفية وأتوق إلى اكتشاف الإجابات وأهمها كيفية انتهاء الحبكة
. كنتُ كمنْ يقرأ كتاب العمر ولا يستطيع تركه من بين يديه، وفي المنتصف ينفد الفضول وأجدني أنتقل للصفحة الأخيرة. وكم هي ركيكة هذه الصفحة فهي لا تقدم إجابات ضافية حول أسئلتي الفلسفية بل أجدها مجرد منعطفات حادة لتطور الحياة.
ولقد ذكرتني الأحداث السياسية في السنوات الأخيرة بالجانب القاسي للشيخوخة. انظروا لصفحة ترامب ثم بايدن وعدد آخر من القادة "الشيوخ" في العالم، وكم يستنزفون مفاصلهم للضغط على أزرار إيقاف الزمن. وبعد مشاهدات طويلة وكثيرة للرئيسين الأمريكيين وهما يلعبان في المسرح العالمي شعرت بأنه درس مهم لكيفية تحديد القدرات بشكل لا ينفصل عن عدّاد الأرقام التي تتراكم مثل غبار الذكريات كل عام.
لعله يكون درسًا للجميع؛ العدّاد واحد لا يتوقف وتلك حقيقة وليست خدعة، والعمر مجرد رقم هو كلام من قبيل الكليشيهات ويوصلنا تراكم الأرقام إلى النهاية. ومهما حاول البعض التقدم في العمر برشاقة والسيطرة على هذه المسيرة فإن الرحيل يبقى الحقيقة التي لا يمكن تجنبها بأي ثمن. الساعة البيولوجية تدق دائما وكذلك الوظائف البيولوجية إلى أن تتوقف عن العمل.
ربما يتساءل القارئ هل هذه دعوة للتشاؤم أو الإحباط من تقدم العمر. والإجابة هي قطعا لا، فمن الجيد جدًا إنك تشعر وتقول إنك صغير في السنِّ وأن العمر مجرد رقم وأن الشباب في القلب. لكنْ عندما تشعرُ عظامك فجأة أنك لم تعد صغيرًا كما تظن فلا تقاومها ولا تخشى التقدم في السنِّ ولا تحاول إبطاء عملية الشيخوخة.
تعامل معها على أنها مرحلة طبيعية ولا تراوغ نفسك حتى تريحها. من الأفضل الآن أن نتقبل أننا نتقدم في السن وأنها مرحلة ليست مشينة بل رشيقة على نحو ما، وفقًا لمقتضيات المرحلة. هذا التقبّل من شأنه أن يسعدنا ويحفزنا على تدارك ما فات من أخطاء وإصلاح عيوب وهفوات في وقت انعدام النضج والخبرة، ويجعلنا نستعدّ ونمضي ونحن أكثر جاهزية للرحيل.
ولكم جميعا الأمنيات الطيبة بموفور الصحة وطول العمر ورشاقة الشيخوخة!













09/13/2024 - 04:57 AM





Comments