بعد خسائر ملالي إيران الجيوستراتيجية تستعيد توظيف الورقة الطائفية

09/08/2024 - 08:47 AM

Prestige Jewelry

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

منذ عام 1979 لجأ الغرب إلى توظيف الإسلام السياسي الطائفي ورمي قنبلة أيديولوجية في المنطقة بعد رعاية الخميني في باريس ونقله لإيران، بدأت معها مرحلة تصدير الثورة الخمينية إلى المنطقة وبشكل خاص إلى السعودية، لكن لجأت السعودية إلى تشكيل مجلس التعاون الخليجي كقوة سياسية وعسكرية في 1981، لأنها كانت ترى أن الحرب العراقية الإيرانية لن تقبل الولايات المتحدة هزيمة إيران أو العراق، لكن همها الأساس هو تفريغ البلدين من القوة النووية واضعاف القوة العسكرية لصالح أمن إسرائيل.

 رغم أن الثورات العربية في 2011 خدمت إيران مثلما خدمت أمريكا إيران عند غزوها للعراق بعدما قدمت إيران الوحيدة خدمات لوجستية لأمريكا فكفأتها أمريكا بل واعتبرتها شريكة في تدمير المنطقة، عوامل ساهمت في استثمار إيران هذه الأزمات في توسيع نفوذها، واستخدمت تكتيكات ذكية بالتعاون مع أمريكا في 2013 بتشكيل داعش في العراق وسوريا بعد مقتل أبو مصعب الزرقاوي 2006 الذي أسس التنظيم بعد احتلال أمريكا العراق عام 2003 اثر انتقاله من أفغانستان إلى العراق بعد خروجه من سجن سواقة الأردني الذي دخله بتهمة المشاركة في تكوين تنظيم بيعة الإمام سنة 1994.

 وبناء عليه في شهر سبتمبر 2014 أعلن الرئيس باراك أوباما تشكيل تحالف دولي لمكافحة والقضاء على تنظيم داعش، بناء على ذلك سعت إيران إلى تشكيل الحشد الشعبي في العراق وتشكيل مليشيات في سوريا ساهم في تأسيسها حزب الله كما ساهم في تشكيل مليشيات الحوثيين في اليمن، الذي انقلب على الحكومة الشرعية، واحتل صنعاء بدعم إيران.

 أصبحت إيران في أوسع نفوذ لها في المنطقة العربية لم تحققه منذ زمن طويل جدا خصوصا بعد معركة جالديران 1514 التي تلقت فيها هزيمة نكراء على يد الدولة العثمانية، ودخلت عاصمتهم تبريز، ولم تقم لهم قائمة منذ ذلك الوقت حتى أتى الغرب بالخميني، وفي 2015 أراد أوباما تحقيق نزع سلاح إيران النووي مقابل غض الطرف عن النفوذ الإيراني في المنطقة الذي أغضب السعودية وتزعزعت العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، عندها اتخذت السعودية قرار التدخل في اليمن 2015، أسوة بتدخل الجيش السعودي في البحرين 2011 حمته من التدخل الإيراني، وكذلك دعمت الجيش المصري في ثورة الشعب المصري عام 2013 ضد الإخوان المتخادمين مع ملالي طهران، خصوصا بعدما دخلت تركيا على الخط وأصبحت مركز الإخوان لتأخذ نصيبها من الكعكة لكنها من أجل استعادة مشروعها التاريخي كما إيران.

كان لي كتاب ( التصدي السعودي الصلب لإيران صدر في 2017 ) أكدت فيه أن السعودية ستتصدى لهذين المشروعين المتخادمين المدعومين أمريكيا، وهو ما تحقق الآن وعادت تركيا إلى التعاون مع السعودية بعدما شعرت أن اقتصادها انهار نتيجة تبنيها لمشروع الإخوان ضد مصر والسعودية، وعندما شعرت إيران بانهيارها داخليا وخارجيا لجأت إلى التهدئة مع السعودية برعاية بكين.

 نرى أن حسين سلامي يعترف أن إيران هي من تدعم ضربات الحوثي في البحر الأحمر ردا على ضرب إسرائيل 14 سفينة إيرانية في عهد ترمب، خصوصا وأن إيران كان لديها سفينة بهشاد مجهزة برادرات تعطي احداثيات لمسافة 100 كلم تقدمها للحوثيين، بل كل هجمات الحوثيين موكلة لخبراء من الحرس الثوري، وغالبا ما تستخدم إيران زوارق صغيرة سريعة تتدثر بزي صيادين، لمساومة الغرب، وبعد استهدافها لهجوم الكتروني، انتقلت لعدن وفق موقع ذا انترسبت الأميركي، بالطبع التفاخر الإيراني كدعاية إعلامية بضرب الحوثيين الناقلات في البحر الأحمر بأوامرها، ما يعني أنها تعتبرها كافية عن القيام بضربات التي وعدت بها ضد إسرائيل ردا على اغتيال إسماعيل هنية وقادتها في سوريا.

لم تشعر إيران أنها تواجه خسارة المناطق التي حصلت عليها نتيجة الظروف الجيوسياسية التي مرت بها المنطقة، وليس نتيجة قوة إيران العسكرية، وهي الآن تواجه خسائر جيوسياسية في القوقاز أيضا من الحليف الروسي حول معبر زانجبزور بجنوب القوقاز الذي يربط بين أراضي أذربيجان وإقليم ناختشيفان الأذري المعزول، اعتبره وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خطا أحمر لا يمكن تجاوزه، لأن افتتاح المعبر سيقطع طريق التجارة مع أوروبا، لكنه مهم بالنسبة لروسيا وتركيا ويضر بمصالح إيران، واعتبرت إيران أن التعاون الاستراتيجي لا يعني التغاضي عن المصالح، ما يعني أن موسكو تفضل أن تبقى إيران محاصرة وتفرض عليها أن تقدم التنازلات للضباع كما تسمي إيران روسيا، وإيران منزعجة من روسيا بمحاولة عرقلة الاتفاق النووي مع الغرب لتحجيم تواجد إيران في سوريا لصالح السعودية وتركيا.

أتت تغريدة خامنئ للتقرب من الغرب في أنه يحارب أتباع يزيد إلى يوم القيامة، بالطبع لن تنجر السعودية للرد على تلك التغريدات لأنها لا تؤمن بالطائفية، وهي قائد لكل المسلمين دون استثناء، يؤكد ذلك زيارة الوفد الحوثي وأداء مناسك الحج دون أي مضايقة، لكن تمنع السعودية رفع أي شعارات في المناسك الدينية في الحج والعمرة.

 عاد خامنئ في تغريدته عبر منصة إكس إلى توظيف التاريخ ومظلوميته، فقال خامنئ ( حدد الإمام الحسين أثناء خروجه إلى كربلاء هدف الجبهة الحسينية ألا وهو الجهاد ضد الظلم، فمقابل هذه الجبهة، تقف جبهة الجور والظلم ونكث العهد الإلهي، إنكم ترون اليوم هذه المواجهة في العالم ) بعد أن تدخلت إيران وشجعت حماس القيام بطوفان الأقصى لوقف الدولة الفلسطينية المستقلة التي تفاوض عليها السعودية، وحضرت البوارج الأمريكية إلى المنطقة عندها لم تتمكن إيران القيام بأي عمل لمساندة حماس، بينما السعودية لم تتورط في هذه الأزمة، رغم الضغوط الموجهة ضدها من كافة التيارات تتهمها بانه الم تقوم بمساندة غزة، بينما هي في حقيقة الأمر تواصل جهودها الدبلوماسية، وتمكنت من موافقة 148 دولة على إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما أزعج إيران أنها فشلت في تحقيق مشروعها وأفشلته السعودية، فيما الدبلوماسية السعودية تنجح في وقف الصراع الإقليمي، لأن خامنئ يدرك أن الحرب الإقليمية التي يسعى لها نتنياهو لجر إيران إليها ستؤدي إلى إزالة نظام الملالي.

تغريدة خامنئ التي أطلقها بيان لا لبس فيه عن حقيقة موقفهم المخزي من القضية الفلسطينية والمتاجرة بها، فقط من أجل تعزيز مكاسب إيران في مضيق باب المندب وفي البحر المتوسط، وإضافة الأردن إلى مجموعة العواصم التي تدعي أنها سيطرت عليها، وهي تروج لشعارات مزعومة خدعت أقواما غافلين، ومحاولتهم سرقة تاريخ المقاومة الذي كان العرب السند الحقيقي لها ولا زالوا لكنهم لا يعلنون ذلك وهو ما جعل إسرائيل تتهم مصر بانها تهرب الأسلحة لحماس عبر أنفاق ممر فيلادلفيا، وحرص العرب بقيادة السعودية على توحيد صف السلطة الفلسطينية، وهم لا يؤمنون بالحرب الشاملة التي تقود إلى حرب إبادة تقوم بها إسرائيل وهو ما حدث بالفعل في غزة وهو دائما ما يتجنبه العرب.

عبارة خامنئ تحمل حقد دفين على السواد الأعظم من المسلمين بكافة طوائفهم، وسيدنا الحسين إمام أهل السنة والجماعة، ولا توجد في الحقيقة جبهة حسينية وجبهة يزيدية، بل جبهة إسلامية موحدة، لكنها هي رسائل طمأنة للصهيونية العالمية في أن الصراع ليس معكم بل مع السعودية، ولو تتبعنا التاريخ فإن كبار الصحابة بايعوا الإمام يزيد بن معاوية وعلى رأسهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن علي بن أبي طالب، وجابر الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وزيد الأرقم، وبقية كبار الصحابة.

 وكما قال ابن خلدون بأن معاوية اطلع على حياة ابنه يزيد فوجده أهلا للخلافة، وكما قال عبد الله بن عمر كما جاء في تاريخ ابن أبي خيثمة بان يزيد خليفة بالإجماع، والحسين بن علي خليفة بدون شورى، وجاء في البداية والنهاية لابن كثير عن الصحابي أبو سعيد الخدري أن الامام الحسين خرج على إمامة يزيد بن معاوية، وهناك إجماع لدى الصحابة على جواز خلافة المفضول رغم وجود المفضول، وفي السقيفة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر رضيت لكم أحد هذين الرجلين يعني أبا عبيدة وعمر وأبو بكر افضل منهما، فلم يقل أحد من الصحابة أن ذلك لا يجوز في الدين، ودعت الأنصار إلى مبايعة سعد بن عبادة، وفي المسلمين عدد كثير كلهم أفضل منه، فمن بويع فهو الإمام يجب طاعته، بل إن فتوحات يزيد تشهد له التي وصلت إلى سمرقند والسند وشمال أفريقيا في فترة قصيرة لا تتجاوز من عام 60 – 64.

فإيران تستغل قضية فلسطين لتضليل الشباب، ونوح عليه السلام حينما قال إن ابني من أهلي فرد الله سبحانه وتعالى عليه ( إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) فرد نوح عليه السلام ( قال ربي إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين )، ولماذا يركز الملالي على الامام حسين رضوان الله عليه وهناك أبناء للرسول صلى الله عليه وسلم القاسم، وعبد الله، وإبراهيم، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ولها أربعة أبناء الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب، ولزينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم أمامة وعلي من أبي العاص بن الربيع الأموي.

 ويتجاهلون بن عباس الذي جمع فقهه في عشرين كتاب، بينما فتيا الحسن والحسين رضوان الله عليهم أجمعين جمعت في ورقتين فقط، رغم فضلهما، وكثير من الأحاديث مأخوذة من التوارة، ومن قتلوا عثمان رضي الله عنه هم قتلة الإمام علي والحسين على رأسهم شمر بن ذي الجوشن، وزرعة بن شريك، وشمر بن ربعي، وبن سبأ، وحكيم بن جبلة، وبن ملجم الذي قتل الإمام علي رضوان الله عليه، وهو أحد الأشخاص الذين أرسله عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص يعلم الناس القران في مصر لأنه حافظ للقران، وهم الذين قتلوا أيضا الزبير وطلحة في معركة صفين ومعهم آخرون، رغم تواتر حديث غدير خم لكن هناك علماء يرونه حديث مقتبس من موس ويوشع بن نون وعلى رأسهم الإمام بن باز الذي لا يرى صحة هذا الحديث.

 

* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية سابقا بجامعة أم القرى بمكة

     [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment