كريم حداد *
في خضم الضبابية التي تلف المشهد السياسي اللبناني، تبرز التسوية المرتقبة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية كموضوع رئيس على الساحة، مع بقاء الاحتمالات مفتوحة بشأن الأسماء والاتفاقات التي قد تتبلور حولها. وقد أعطى اللقاء الذي جمع الموفد الفرنسي جان إيف لودريان والمستشار في الديوان الملكي السعودي نزار العلولا بحضور السفير وليد البخاري في الرياض، بعض الأمل في أن الحلول الرئاسية للبنان باتت قريبة، خاصة مع إبداء الأطراف اللبنانية مرونة في التعامل مع الملف.
في هذا السياق، برز توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة كجزء من التسوية المحتملة، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت دوافع هذا الإجراء سياسية أكثر منها قضائية. وإذا ما نجح "الثنائي الشيعي" في إيصال مرشحه سليمان فرنجية إلى سدة الرئاسة بدعم من "التيار الوطني الحر"، فإن توقيف سلامةقد يُفسّر على أنه خطوة سياسية ضمن لعبة توازنات داخلية.
على الصعيد الإقليمي، تقف لبنان على مفترق طرق في ظل الأحداث المتسارعة، لاسيما الحرب الدائرة في غزة، التي من شأنها إعادة تشكيل الخارطة السياسية والاقتصادية في المنطقة. تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أعلن بوضوح أن "مصير غزة بيده وحده"، تظهر الرغبة الإسرائيلية في فرض سيطرة كاملة على القطاع، وهو ما ترفضه حركة "حماس". هذه التطورات تشي بأن تداعيات ما بعد حرب غزة ستكون أكثر تعقيدًا، مع احتمالية انتقال الضغط الإسرائيلي إلى الساحة اللبنانية، خاصة مع تصاعد التوترات على الحدود الشِّمالية.
داخليًا، يعاني لبنان من فراغ سياسي مقلق مع استمرار غياب رئيس للجمهورية وتراجع فاعلية الحكومة. في ظل هذا الفراغ، يبدو أن حزب الله القوة المحلية الأبرز القادرة على استغلال الوضع لتحقيق مكاسب سياسية. تزامنًا مع ذلك، تستغل إسرائيل انشغال الولايات المتحدة بالانتخابات الرئاسية لفرض شروط تضمن أمنها وسلامة حدودها الشِّمالية. التهديد بشن مغامرة عسكرية جديدة في لبنان يبدو جديًا، خاصة إذا استمر حزب الله في رفض الالتزام بالقرار 1701، الذي ينص على نشر الجيش اللبناني بالتعاون مع قوات اليونيفيل على الحدود الجنوبية.
في ظل هذه التطورات المعقدة، يبرز السؤال المصيري: هل يستطيع لبنان الخروج من هذه الأزمة بتسوية سياسية تضمن الاستقرار، أم سيظل حزب الله القوة المهيمنة في ظل غياب مؤسسات الدولة؟ مصير لبنان قد يكون رهينًا بمدى قدرة الأطراف الداخلية على التوصل إلى اتفاق، وأيضًا بالتطورات الإقليمية التي قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة.
في النهاية، يبقى الأمل معقودًا على انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة فعالة قادرة على مواجهة التحديات، وتطوير قدرات الجيش اللبناني لتحقيق استقرار دائم في الجَنُوب. حتى ذلك الحين، تظل التسويات معلّقة، ويبقى مصير لبنان في مهب الريح.













09/08/2024 - 08:38 AM





Comments