لوس انجلوس - خاص بيروت تايمز
تقيم الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم حفلها السنوي الكبير لتكريم البروفسور فيليب سالم أحد أشهر واهم الأطباء المتخصصين في علاج السرطان على مستوى لبنان والعالم ويحضره عدد كبير من اللبنانيين المنتشرين في الولايات المتحدة الأميركية.
وفي معلومات خاصة لصحيفة بيروت تايمز الواسعة الانتشار في الولايات المتحدة الأميركية أن عدد من أعضاء مجلس النواب اللبناني وهم نديم الجميل وراجي السعد وأديب عبد المسيح وقنصل عام لبنان في مدينة لوس انجلوس بشير سركيس ورئيس الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم المحامي نبيه الشرتوني وعدد كبير من فعاليات الاغتراب اللبناني وممثلون عن الأحزاب والجمعيات اللبنانية ومسؤولين من بلدية لوس أنجلوس سيشاركون في حفل التكريم.
البروفسور فيليب سالم في كلمات
فيليب سالم "قاهر السرطان": النجاح صعب الترويض ..لكن التواضع ضروري
لم تكن بلدة بطرّام في قضاء الكورة في لبنان، تنتظر أن يكون أحد أبنائها علما من كبار علماء الطب في العالم، لمرض ما يزال يقض مضاجع العلم والعلماء، وهو مرض السرطان. وعلى الرغم من الأبحاث المستمرة والدؤوبة للقضاء على هذا المرض العضال ،فقد لقب فيليب سالم ب"قاهر السرطان" نظرا لما حققه من انجازات في هذا المجال ،أسهمت في اكتشاف علاجات حققت الشفاء لملايين المصابين بهذا المرض الخبيث. فالبروفسور فيليب سالم حارب داء السرطان، وكانت له، ولمن عمل معهم وعملوا معه، انتصارات عديدة، في ميادين أبحاث وعلاج هذا الداء الخطير.
لم تكن رحلة فيليب سالم من بلدته في الكورة الى الولايات المتحدة الأميركية مفروشة بالورود، ولا هو أرادها بمحض ارادته،بل فرضت هجرته الظروف الصعبة التي مرّ بها لبنان حيث دفعت الحرب الأهلية الآلاف من الشباب اللبناني الى ترك الوطن والانتشار في بلاد الدنيا الواسعة طلبا للأمن والاستقرار والحياة الكريمة.لكن الطبيب الشاب عرف كيف يطور مواهبه نحو محاربة أسوأ الأمراض ،فبرع واستحق أن يكون في الموقع الذي هو فيه.
ولد فيليب سالم خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك يوم 13 تموز سنة 1941 في بلدة بْطرّام الكورانيّة. وهو الإبن الخامس لأديب سالم ولميا مالك. وكان والده يشغل في الثلاثينيات من القرن الماضي منصب الكاتب بالعدل في قضاء الكورة لأربعة وثلاثين عاماً بلا انقطاع.
تلقّى فيليب دروسه الابتدائية في المدرسة الرسمية في بْطرّام، وكانت المدرسة الوحيدة المتوفرة لأهل البلدة. وفي عام 1953 نال الشهادة الابتدائية، وودّع البرنامج الفرنسي، لينخرط في البرنامج الإنكليزي، بانتقاله الى مدرسة خاصة هي مدرسة بشمزّين العالية. وفي هذه المدرسة ظهر نبوغ فيليب المبكر حيث كان الأول بين زملائه في الصف السابع. ورُفّع مباشرة من الصف الثامن الى التاسع، وكذلك أُعفي من الصف العاشر ودرس الحادي عشر، وتخرّج من الصفّ الأخير بنيله شهادة البريفيه، أي المتوسطة العامة.
بعدها قصد مدينة طرابلس والتحق بـ"كلية التربية والتعليم الإسلامية" التي كانت مؤهلة تأهيلاً جيداً لتدريس القسم العلمي الأول لشهادة البكالوريا اللبنانية. وفي "الكلية الإسلامية" ظهرت بوادر التمرّد والثورة لدى فيليب، عندما اصطدم بأساتذة اللغتين العربية والإنكليزية، لاتّباعهما طريقة التلقين والإملاء التقليديتين، فاعترض على منهجية التعليم وعبّر عن رأيه بكل جرأة، منتقداً النظام التعليمي، ومطالباً بضرورة إدخال الحوار والنقاش وعدم الأخذ بكلام الأستاذ كأنه منزّل، فعوقب على ذلك.
كان العام 1958 عاماً مميّزاً في مسيرة فيليب سالم، إذ خوّله نجاحه في البكالوريا القسم الأول الى الدخول في الإنترناشيونال كوليدج (IC) في بيروت، حيث ترافق انتقاله إليها مع إنشاء المعهد فرعاً خاصاً للعلوم التطبيقية. وفي تلك السنة التي أمضاها في الـIC حصل فيليب على نتائج باهرة جداً في جميع المواد العلمية والأدبية. وبعد نيله شهادة البكالوريا القسم الثاني دخل فيليب الى الجامعة الأميركية في بيروت وتسجّل في صف "الصوفومور" في كلية الآداب والعلوم. وعلى الرغم من أنه كان يميل الى التخصص في الفلسفة، إلا انه رضخ أخيراً لمشيئة أمه ونفّذ رغبتها في اعتماد الطب مادة اختصاصه. وعندما قدم طلباً للانتساب الى كلية الطب في العام 1961 ارفقه بطلب آخر للحصول على مساعدة مالية من المجلس الثقافي البريطاني. ونظراً للعلامات العالية لفيليب وسلوكه الممتاز تكفل المجلس بتغطيه دراسته ومعيشته في كلية الطب طيلة خمس سنوات، أي من 1961 الى 1965، ووضع بتصرفه غرفة وحماما مستقلين في مبنى المجلس القريب من الجامعة. ومنح معاشاً شهرياً بقيمة 400 ليرة لبنانية للطعام والمصاريف الشخصية.
الجامعة الأميركية في بيروت - فيليب سالم: فلسفة الثورة والتمرّد
عرف فيليب بـ "الطالب المتمرد"، وصوِّر على انه الثائر والناقد المتحامل على أسلوب التعليم المتبع، الساخر من نهج التفكير السائد، ذلك النهج الرافض للرأي الآخر والمانع فتح أبواب الحوار والنقاش مع الطلاب المتدرجين. وكان فيليب ينتفض ضد إهانة الطلاب أمام رفاقهم ويغضب لعدم إحترام الاساتذة لآراء الطلاب وافكارهم. وخلافه مع الاساتذة حول أسباب تعليمية عرّضه للعقاب والانتقام إذ حاول بعضهم تخفيض علاماته المتفوقة حتى لا يتخرج بامتياز.
واستطاع فيليب ان يثأر من أساتذته عندما طلب منه العميد فريد نجار ان يدرّس مادة البيولوجيا في كلية التربية الحديثة الانشاء وقتها في الجامعة اللبنانية، فوضع فيليب قواعد جديدة للتعليم فيها، وعلى مدى ثلاث سنوات استطاع أسلوبه الجديد ان يجذب عدداً من الطلاب الذين أحبوه وتفاعلوا مع طريقته غير التقليدية.
وفي الوقت الذي كان يعلم فيه في الجامعة اللبنانية، كان فيليب طبيباً مقيماً في مستشفى الجامعة الاميركية في قسم الطب الداخلي لمدة ثلاث سنوات. كما كان مسجّلاً في قسم الفلسفة في الجامعة.في تلك الاثناء عزم فيليب على التخصص في أمراض الكلى، لكن زوجة صديقه التي كانت مصابة بداء سرطان الرحم، تمنّت عليه قبيل وفاتها ان يتخصص في معالجة داء السرطان. وهكذا بدأت رحلة فيليب الطويلة في هذا المجال.
تخرج فيليب طبيباً يافعاً سنة 1965 من الجامعة الاميركية في بيروت، وتدرب لثلاث سنوات في قسم الطب الداخلي في المستشفى التابع لها، وفي العام 1968، قرر التوجه الى الولايات المتحدة الأميركية للتخصص في السرطان والابحاث، واختار مركز (ميموريال سلون كيترينغ)، أهم مركز للسرطان في نيويورك. وقد شكل ذلك حجر الزاوية في حياة فيليب سالم المهنية ،وغير من مجرى مسيرته العلمية وفتح له آفاقاً أطلقته في عالم معالجة السرطان على مستوى اميركي وعالمي. وذلك بفضل العملاق الطبي الدكتور دافيد كارنوفسكي مؤسس معالجة الأمراض السرطانية بالدواء الكيميائي هناك، فهو الذي تبنى فيليب مهنيا وأصبح بمثابة الأب الروحي له، وهوالذي عمل على انتقال فيليب في العام 1970 الى هيوستون في تكساس للعمل في مستشفى «إم. دي. اندرسون»، لمتابعة تخصصه. فكان فيليب سالم أول طبيب من لبنان والشرق الأوسط يعمل في هذا المستشفى الحكومي.
العودة الى لبنان
عاد فيليب سالم الى لبنان في العام 1971، وعين رئيساً لقسم السرطان في الجامعة الأميركية في بيروت، وسرعان ما أصيب بخيبة أمل عندما وجد ان الجامعة التي تخرج منها والمستشفى الذي تدرب فيه لم يكونا بالمستوى المطلوب فسبب له هذا الواقع حزناً وغضباً شديدين، فحاول جهده لتغييره، لكنه اصطدم بعقبات ومطبات، وبالرغم من التحديات التي واجهها على هذا الصعيد استطاع ان يحرز انتصارات علمية عديدة، منها اكتشافه ان السرطان في الامعاء، يبدأ بالتهاب جرثومي ثم يتحول الى سرطان، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يبرهن فيها على ذلك، وهذه النظرية التي اطلقها سالم من الجامعة الاميركية في بيروت، كانت أساساً للنظرية التي اعتمدها الطبيبان الاوستراليان الدكتوران باري مارشال وج. روبن وارن فيما بعد، اي بعد عشرين سنة، في معالجة وشفاء القرحة ونالا على أساسها جائزة نوبل للطب في 2005. وفيليب سالم هو أول من طور نظرية تحول الالتهاب المزمن الى سرطان، وأول من تبنى نظرية الوقاية الكيميائية في 24 آب 1973 .
القضيّة اللّبنانيّة
سكنت القضيّة اللّبنانيّة عقل فيليب سالم وروحه، واحتلّت مساحة واسعة في حياته ورافقت خياله وتفكيره ونشاطه السياسي، وصبّ كل اهتمامه من أجل تحقيق هدف واحد هو خدمة لبنان وقضيته، إلى جانب رسالته الإنسانية والطبية لعلاج مرضى السرطان في كل بقعة من الدنيا.
اقترن فيليب سالم بالفتاة العراقية وداد جبوري، التي كانت طالبة في الجامعة الاميركية في بيروت، وقد رزقا بأولاد ثلاثة هم: ابنتهما البكر دارة وابنهما خالد وابنتهما الصغرى ريا.
وخلال عمله في لبنان الذي امتد من العام 1971 الى العام 1987 حقق سالم ثلاثة ادوار مهمة:
1 - كان أول طبيب أعطى الأمل بامكانية الشفاء من السرطان.
2- اسس برنامجاً علمياً لمعالجة الأمراض السرطانية والابحاث عنها.
3- قام بتدريب نحو 23 طبيباً لبنانياً وعربياً في الجامعة الاميركية دفع بهم الى أهم مركز للسرطان في العالم هو مركز "إم.دي. اندرسون"، حيث أصبح بعضهم رؤساء دوائر ومن قادة البحاثة العلميين في حقول اختصاصاتهم. كذلك ترأس سالم «الجمعية اللبنانية لمكافحة السرطان» لمدة 15 عاماً. كما شغل منصب الأمين العام لمؤسسة برامج السرطان في منطقة الشرق الأوسط.
العودة الى اميركا
هاجر فيليب سالم وعائلته الى الولايات المتحدة الاميركية في العام 1987، بسبب ظروف الحرب في لبنان، وفي العام ذاته كان أحد أعضاء لجنة تقويم الرعاية الصحية في اميركا، والتي كانت قد انشئت للتو في ذلك الوقت. وعضوية سالم في هذه اللجنة، جعلته مقرّبا من الرئيس جورج بوش الأب، الذي في عهده حصل فيليب سالم وافراد عائلته على الجنسية الاميركية.
انضم سالم الى الحزب الجمهوري وأصبح أحد أعضاء الدائرة الداخلية للحزب، ما جعله صديقاً شخصياً لعائلة الرئيس الاميركي الراحل جورج بوش، وبعد فشل اللجنة الصحية وحلّها، حول سالم اهتمامه الى شؤون الحزب الجمهوري، وعمل على إطلاق برنامج جديد للرعاية الصحية في اميركا.
وفي العام 1991 أسس سالم "مركز سالم للسرطان" المركز الذي وضعته مستشفى سان لوك تحت مظلتها، فقدمت بذلك الى الدكتور سالم عرضا سخيا بتعيينه رئيساً لابحاث السرطان فيها حيث كانت هذه الخطوة الجبارة نقلة نوعية في حياته المهنية لأهمية ابعادها المستقبلية.وقد منح البروفسور سالم عدة أوسمة اميركية رفيعة لا تمنح عادة إلا لكبار الشخصيات، كذلك نال تكريمات عدة في بلدان مختلفة.
مركز سالم للسرطان
في كتاب عنه بعنوان "فيليب سالم: الثائر والعالِم والانساني للزميلة مهى سمارة، تروي الاقسام الاربعة الاولى حياة البروفيسور سالم من طفولته الى تأسيس "مركز سالم للسرطان» في مدينة هيوستن الاميركية، ومساهمته في رسم السياسة الصحية للولايات المتحدة الاميركية من خلال عضويته في "اللجنة الوطنية الاميركية للرعاية الصحية" وصداقته مع ثلاثة رؤساء اميركيين وتعاونه معهم دون التخلي عن واقعيته في تقويم السياسة الاميركية وعن التزامه المبدئي بقضايا العرب.اما القسم الخامس والاخير، فيبرز اهمية مساهمة البروفسور سالم في طب السرطان وادخاله مفاهيم وممارسات جديدة في معالجة امراضه.
وسام الاستحقاق اللبناني المذهب من الدرجة الأولى
منح رئيس الجمهورية العماد ميشال عون البروفسور فيليب سالم وسام الاستحقاق اللبناني المذهب من الدرجة الأولى تقديراً لخدماته الطبية والإنسانية والوطنية.
وكذلك منحت هيئة منح الجوائز العلمية - دبي البروفسور فيليب سالم جائزة "فخر العرب الدولية" في مجال الأبحاث السرطانية وتم تتويجه كشخصية العام 2022. كما اطلقت الهيئة "جائزة فيليب سالم للأبحاث العلمية السرطانية" لتأكيد أهمية الأبحاث العلمية وضرورة القيام بها في منطقة الخليج والعالم العربي.
يقول فيليب سالم: النجاح أمر صعب الترويض ولذلك التواضع ضروري. هذه معركة تخاض، لذلك يجب ان ينجح الناجح في ترويض نجاحه... كما على الفاشل ان يستفيد من فشله. كل إمرىء لا بد له ان يفشل، والذي لا يفشل هو الذي لا يعمل. فلذلك عليه اذا فشل ان يستفيد من فشله.
يورد سالم سلسلة نصائح لتجنّب المرض في أحد مقالاته على النحو الآتي:
أولاً - أثبتت الاحصاءات الحديثة ان 25 في المئة من الامراض السرطانية على الأقل يعود سبب الإصابة بها الى التدخين. فلو تمكنا من تطوير سياسات صحية فعالة للقضاء على التدخين، نكون وفّرنا على البشرية 2.8 مليون إصابة سنوياً.
ثانياً - من أهم ما تعلمناه ان 30 في المئة من الامراض السرطانية تسببها التهابات جرثومية تقليدية. كما تعلمنا ايضاً ان معالجة هذه الالتهابات تمنع الاصابة بهذه السرطانات. ان الشفاء من هذه الالتهابات يتم إما بواسطة التلقيح وإما باستعمال المضادات الحيوية.
ثالثاً - هناك 20 في المئة من الامراض السرطانية يمكننا الوقاية منها بالتقيد بهذه الارشادات:
1- عدم التعرض لأشعة الشمس لمدة طويلة، ومنع استعمال الاشعة فوق البنفسجية في صالونات التجميل.
2- الإقلال من مادة "الأسبستوس" التي كثيراً ما تستعمل في بناء المنازل والأبنية.
3- التأكد من ضبط المفاعلات النووية وعدم تسرب الاشعاعات منها، وعدم تكرار ما حصل في تشيرنوبل.
4- الإقلال من استعمال المواد الكيماوية في تحضير الطعام وحفظه.
5- عدم الافراط في شرب الكحول.
يخلص سالم: كل امرئ سيموت في يومه. هذا هو الناموس. إلا أن هناك فارقا كبيرا بين أن يموت المرء في يومه، أم يموت في يوم غير هذا اليوم.
واليوم البروفيسور فيليب سالم.. بكمل 55 عاماً في معالجة الأمراض السرطانية!












09/24/2023 - 12:08 PM





Comments