المترجمة/ دعاء عبد الكريم
المتصوفين هم أهل العشق كما يطلقون على أنفسهم لكونهم أكثروا الحديث في العشق والمحبة، فرأوا المحبة أمراً "ظاهرة الآنية وخفية الماهية"، ولذلك تكلموا عن آنية الحب ولم يتطرقوا إلى ماهيته. أما ابن الفارض، يمكن اعتباره شاعر الحب بدون منازع، فهو لم ينظم قصيدة واحدة في موضوع غير موضوع الحب، لذلك لقبوه "بسلطان المحبين والعشاق". ولما شاء ابن الفارض أن يبدأ تائيته الكبرى التي تمثل سلوكه الغيبي بالحب ويختمها بالحب، جعل ذكر المدامة مبدأ القصيدة المشار إليها كما جعلها ختامها، فالتائية الكبرى تبدأ بقوله:
سَـقـتـني حُـميا الحُب راحــــة مُقـلـتي
وكأسي مُحيــــا مَن عَنِ الحُسن جَلت
ونختتم بقوله:
ومَن فضل ما أسأرت شُربُ مُعاصري
ومن كان قبلي، فالفضائل فَضلتي
أما الفلسفة والهندسة والنحو رموز للحب، فهو يستعمل مصطلحي "المستحيل والواجب" الفلسفيين لوصف جسمه وقلبه في الحب، فيقول:
فَجسمـــــي وقـلبـــي وواجـــــب
وخدي منـدوُب لجائــز عبرتي
كما يستفيد من النحو للغرض نفسه، فيقول:
نصباً أكسبني الشـــــــــــوق كما
تُكسب الأفعــال نصباً لامُ كَي
كما أنه يرى المصطلحات الهندسية وسيلة لتكوين لغته الصوفية، فيقول:
فلا تَعدُ خطي المُستقيم، فإن في الـ
زوايا خَبايا، فانتهز خير فُرصةِ
فهذه الطريقة في تكوين اللغة الشعرية في الغزل لم تكن جديدة عند ابن الفارض ، فقد استعمل غيره من شعراء الغزل مثل الألفاظ الفلسفية و الهندسية و خاصة النحوية في شعرهم ، غير أن شعراء التصوف الذين نظموا بهذه الطريقة كانوا قلائل و منهم ابن الفارض .الحب والعشق والهوى والغرام والود والجوى ، كلها ألفاظ قريبة المعنى غير أن ذلك يبقى بمنأى عن أن نعبر عنه الألفاظ ، و هذا لا يعني أن أحداً من المنويين و الفلاسفة و العرفانيين لم يتصد لشرح مفهوم الحب، و لكن ما قالوه لم يكن شرحاً للحب ذاته، بل كان وصفاً لأحواله، و بعبارة أخرى تكلموا عن مسببات الحب و نتائجه دون التكلم عنه. وقد زعم بعض الحكماء أن العشق "جنون إلهي"، وهو شدة الشوق إلى الاتحاد، ولهذا فأي حال يكون عليها العاشق يتمنى حالاً أخرى أقرب منها. كل واحد منهم عرف المحبة حسب ذوقه وتجربته الخاصة فالمحبة عندهم قد تعني الطاعة، قال أحد الصوفية :(استهتار القلوب بالثناء على المحبوب، وايثار طاعته والموافقة له، وقيل معانقة الطاعة ومباينة المخالفة. حيث يقول:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه
هذا لعمري في القياس بديعُ
لو كان حبك صـادقاً لأطعته
إن المحب لمن يحب يطيع
يقول جلال الدين الرومي، شاعر التصوف الفارسي:" الحُب دواء كبريائنا وغرورنا بأنفسنا، وهو الطبيب لضعفنا كله، ومن استعار الحب ثوبه، برئ أصالة من كل إثرته". والحُب كما يقول الصوفية: "هو سكر المشاهدة، وشجاعة الباذل، وإيمان الولي، والأصل الأصيل للتحقق الخلقي، والإدراك الروحي، هو نبذ النفس وتضحيتها، والتخلي عن كل مملوك من مالِ أو جاه، أو إرادة أو حياة، وعن كل ما يضمن به الناس، لوجه المحبوب، دون تفكير في جزاء". ذكر جلال الدين الرومي قصة عن العشق في المثنوي قائلاً: وصف أحد الوشاة لجارية، وإظهاره صورتها في ورقة لخليفة مصر، وعشقه إياها وإنفاذ الخليفة لأمير مع جيش إلى جبال الموصل، وقيامه بالقتل والتخريب لهذا الغرض. "قال أحد الوشاة لخليفة مصر، إن عند أمير الموصل جارية كأنها من الحور العين. –إن بين "أحضانه" الآن جارية، لا مثيل لحُسنها في العالم. وحسنها بلا حد، لا يصفه بيان، وهذه هي صورتها في هذه الورقة. وعندما رأى ذلك الملك الصورة، دار رأسه، وسقط الكأس من يده. – وعلى الفور أرسل أحد الصناديد إلى الموصل على رأس جيش لجلبها. – وقال له: إن لم يسلمك هذا القمر المنير، فإخلع باب بلاطه وجدرانه من الأساس؛ - وإن أعطاك إياها، فدعه لحال سبيله، وهات الحسناء، حتى أعانق القمر وأنا على الأرض. – فمضى البطل إلى الموصل مع الجيش، مع الآلاف من أمثال رستم، والطبل والعلم. – وكأنهم الجراد المنتشر حول حقل بلا عد ولا حصر، ومضى لإبادة أهل تلك المدينة. - وفي كل ناحية من المدينة، نصب منجنيقاً كأنه جبل قاف وأخذ في قصفها؛ - "واستعرت " ضربات السهام والرمي بالمنجنيق والسيوف في الغبار لامعة كالبرق "الخاطف". - وقام بهذه المذبحة المهولة لإسبوع كامل، وصار سياج المدينة الحجري واهناً كأنه الشمع اللين. – ورأى ملك الموصل القتال المرير، فأنفذ إليه رسولاً من داخل المدينة. – قائلاً له: ماذا تريد من دماء المؤمنين الذين يقتلون في هذه الحرب الضروس؟- فإذا كان مرادك هو مُلك الموصل، ليكن لك دون أن تقوم هذه المذبحة. –وسوف أخرج من المدينة الآن فادخلها، حتى لا يحيق بك "جرم" دماء المظلومين. - وإذا كان مرادك المال والذهب والجواهر، فهذا أمره أيسر من مُلك المدينة. – وعندما جاء الرسول إلى البطل، أعطاه الورقة التي تحتوي على الصورة والأمارة. – "وقال": انظر في هذه الورقة، وهيا، أعطنى صاحبتها، وإلا فأنا غالب لكم الآن. - وعندما عاد الرسول، قال ذلك الملك الشجاع: دعك من التمسك بالصورة، وخذها إليه سريعاً. - فلست في عهد الإيمان بعابد للصنم، فالصنم أولى بذلك الوثني. – وعندما أتى الرسول بها، وقع ذلك البطل من فوره في عشق جمالها. – والعشق بحر، والسماء من فوقه زبد، وهناك مائة زليخا في هوى يوسف . - فإعلم أن دوران الأفلاك من العشق، وإن لم يكن ثم عشق، لتجمد الكون. فمن عادة الصوفي أن يتكلم عن "حضور الله". وهذه ليست مجرد جملة. بل وراءها ظاهرة حقيقية. فلكثرة الصلاة والتأمل والتوجه إلى الله، يكسب الله في نظر الصوفي صلابة جدٌ موضوعية حتى تسمح له ألا يختفي قط من حقله الذهني. إنه موجود هناك دائماً، ما دام لا ينفك الانتباه عنه. وكل محاولة في الحركة تجعله يعثر على الله ، أي، يسقط مرة أخرى في الفكرة عنه. وقيل أيضاً المحبة هي الموافقة أي الطاعة له فيما أمر، و الانتهاء عما زجر، والرضا بما حكم وقدر. أما في شذرات المحبة لأبو يزيد البسطامي قال: " - أحببت الله حتى أبغضت نفسي، وأبغضت الدنيا حتى وصلت بالله، واخترت الخالق على المخلوقين حتى آنست به.
- الحب لله على أربعة فنون: ففن منه وهو منته، وعن منك وهو ودك، وفن له وهو ذكرك له، وفن بينكما وهو العشق.
- المحبة استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من حبيبك.
- ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير.
- وُدهُ وُدي وودي ودهُ، عشقه عشقي وعشقي عشقه، حُبه حبي وحبي حُبه.
و بما أن القلب مرتبط بخالقه فهو لا يزكو إلا به " إن القلب إنما خلق لذكر الله سبحانه، و لذلك قال بعض الحكماء المتقدمين : الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسد، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا ، فإذا كان القلب مشغولاً بالله عاقلاً للحق ، متفكراً في العلم فقد وضع في موضعه ، أما إذا لم يصرف إلى العلم و لم يودع فيه الحق فقد نسي ربه ، فلم يوضع موضع بل هو ضائع لا يحتاج أن يقول قد وضع في غير موضعه بل لم يوضع أصلاً ، فإن موضعه هو الحق ، و ما سوى الحق باطل".
وقد جعل الصوفية من هذا الحب فلسفة تحيط بكل شيء في الكون، وتمتد أجنحتها إلى كل أفق في الحياة. فلسفة تمسح من وجه الكون الكبير قناعه المادي، لتحيل الكون جميعه إلى أرواح حساسة عابدة مسبحة، لأنها بالحُب خُلقت، وبالحُب قامت، وبالحُب تسبح وتهتف. يقول الحلاج: "حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصال بأوصافه." لقد أستهدف الحلاج بحبه الفناء الكامل، ليخرج من بشرية صفاته، إلى بهاء التحلي بأوصاف القدس الأعلى. فالخلق أصلاً برز من عالم الغيب بالحب وخُلق بالحب، وتشكلت حقائقه وصفاته بالحب، ومن هنا أصبح الحب سر الكون. وقد تأتي المحبة عندهم بمعنى الموافقة، بمعنى أن يوافق العبد الله تعالى في جميع الأحوال، في المنع والعطاء، في الشدة الرخاء، حيث قال بعضهم: المحبة موافقة القلوب لله والتزام الموافقة لله، وأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: المحبة موافقة الحبيب في المشهد والمغيب. وقد تأتي المحبة بمعنى إيثار المحبوب على كل شيء بمعنى أن يكون هو المقدم على ما عداه من الأشياء والأنفس.
تحدث الصوفية عن الفناء وأعطوه تعاريف عديدة من بين هذه التعاريف هو سقوط الأوصاف المذمومة ، و قيل الفناء أن يفنى الإنسان عن الحظوظ فلا يكون له في شيء من ذلك الحظ و يسقط عنه التمييز فناء عن الأشياء كلها شغلاً بما فني به، و قد يشير أيضاً الى معنى نفسيو هو ذهاب الحس و الوعي ، مثل قول القشيري :" وإذا قيل فني عن نفسه، و الخلق موجودين و لكنه غافل عن نفسه و الخلق أجمعين ،غير محسن بنفسه و بالخلق" ، و يقول أيضاً أبن القيم:" الفناء هو ذهاب القلب و خروجه من هذا العالم و تعلقه بالعلي الكبير الذي يدركه البقاء فلا يدركه الفناء". ويقول عن المحبة: "وأما كلام الناس في حدها فكثير، فقيل هي الميل الدائم، بالقلب الهائم. وقيل اتخاذ مراد المحب ومراد المحبوب وقيل إنك تهب كلك لمن أحببته، فلا يبقى لك منك شيء.
المصادر
1- التفتازاتي ، مدخل إلى علم التصوف.
2- جلال الدين الرومي ، المثنوي ، مثنوى / الجزء الخامس ، ترجمه و شرحه و قدم له : إبراهيم الدسوقي شتا ، الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية ، 2014م، القاهرة ، رقم الإيداع / 166632/2008.
3- أبو يزيد البسطامي المجموعة الصوفية الكاملة ، تحقيق و تقديم : قاسم محمـد عباس ،دار المدى للثقافة و النشر، الطبعة الأولى2004.
4- الحسين بن منصور الحلاج ،طه عبد الباقي سرور ،مؤسسة هنداوي للتعليم و الثقافة ، جمهورية مصر العربية ، 2014.
5- ﻃﻪ ﻋﺒﺪ اﻟﺒﺎﻗﻲ سرور، اﻟﺤﺴين ﺑﻦ ﻣﻨﺼﻮر اﻟﺤﻼج شهيد التصوف الإسلامي (٤٤٢–٩٠٣ﻫ) ، ﻣﺆﺳﺴﺔ ﻫﻨﺪاوي ﻟﻠﺘﻌﻠﻴﻢ واﻟﺜﻘﺎﻓﺔ،2014 :مصرــ القاهرة.
6- القشيري ، الرسالة القشيرية .
7-لغة الشعر عند ابن الفارض ،قصيدة (نظم السلوك) أنموذجا، أ.م.د حربي نعيم محمـد الشبلي/ الباحث . أحمد سالم عبيد الشمري، مجلة كلية التربية للعلوم الإنسانية /جامعة بابل/ العدد25، شباط 2016م.
8- حافظ الشيرازي شاعر الغناء و الغزل في إيران ،د. إبراهيم أمين الشواربي، دار الروضة للطباعة و النشر ـ بيروت 1989م.













07/01/2023 - 12:42 PM





Comments