بوادر التضخم الجامح في الإقتصاد التونسي.. مؤشرات سلبية و أزمات إجتماعية

11/15/2022 - 20:11 PM

Bt adv

 

 

فؤاد الصباغ *

 

بدأت بوادر التضخم الجامح تتشكل في الإقتصاد الوطني التونسي نتيجة عدة عوامل منها سياسة البنك المركزي النقدي خلال السنوات الأخيرة مثل طباعة النقود في ظل ركود حاد و قلة الإنتاجية و "أزمة دين داخلي". بالإضافة إلي ذلك إختلال بالإقتصاد الكلي في ظل عجز تجاري و عجز بالحساب الجاري متراكم و متصاعد. أما الأهم إرتفاع المديونية الخارجية و إنخفاض نسبة الإستثمارات في ظل قطاع خاص ضعيف و غير قادر علي مجابهة الأزمات.

بالإضافة إلي عدم الإستقرار السياسي مما تسبب في قلة الإنتاجية و تعطيل دواليب الدولة علي مدى تقريبا عشرية كاملة و بروز عوامل خارجية منها فيروس كورونا و الإرهاب الدولي و حرب أوكرانيا التي تسببت في مجملها في إنخفاض العوائد المالية لخزينة الدولة خاصة منها بعض القطاعات الإقتصادية الحيوية علي غرار السياحة. فالمؤشرات الإقتصادية من المؤسسات الدولية تؤكد ملامح الأزمة.

بداية سعر صرف العملة الدينار التونسي الغير ثابت بحيث إنهارت العملة المحلية بصفة ملحوظة من صرف 1 دولار مقابل 0.790 دينار تونسي سنة 1992 إلي 1.5 دينار تونسي سنة 2010 و مؤخرا إلي 3.23 دينار تونسي سنة 2022. النمو الإقتصادي سجل بدوره إنهيار خلال سنة 2020 ليكون "سلبي 8.7- ℅" و خلال العشرية الفارطة تقريبا كان ضعيف بنسبة "1℅" بينما كان في حدود 4℅  و أكثر قبل الثورة الإجتماعية لسنة 2011.

أما مؤشر أسعار المستهلك كانت سنة 1962 بـ 6.76 نقطة إلي 100 نقطة سنة 2016 لتصل مؤخرا في نسق تصاعدي إلي حدود 154.30 نقطة سنة 2022 و هذا يفسر بزيادة الإستهلاك نظرا للنمو الديمغرافي الطبيعي. ففي مقابله مؤشر التضخم الغذائي كان غير متوازن خلال السنوات الأخيرة من 0.86℅ سنة 2007 إلي حدود 4℅ بين سنة 2020-2021 ليقفز بنسق إرتفاع عمودي حاد إلي نسبة 13℅ سنة 2022 و هذا مؤشر خطير يفسر بغلاء المعيشة و بداية رفع الدعم و بوادر التضخم الجامع من خلال إختلال ميزان السلع و الخدمات مقابل الأسعار.

أما نسبة التضخم فقد كانت سلبية بنسبة 1.9 - ℅ بين سنة 1970 و 1980 لتسجل إرتفاع خلال أزمة الثمنينات ب 16.70℅ و يعود ينخفض و ليرتفع مجددا إلي حدود نسبة 9.1℅ و هو يعتبر غير مرضي لأن معدل التضخم الطبيعي لا يجب أن تتجاوز نسبة 2℅. فهذه النتيجة تبشر بتضخم جامح في الأفق للإقتصاد التونسي.

أما الميزان التجاري فهو لم يسجل فائضا حقيقيا منذ سنة 1995 بحيث كان في عجز مستمر و كان أقل عجز تجاري له بسلبي بـ 40.30 مليون دينار تونسي و أعلي عجز تجاري سجل بين سنة 2021-2022 سلبي 3307 مليون دينار تونسي و مؤخرا تفوق الواردات الصادرات التونسية بقيمة عجز بينهما بسلبي ب 2341 مليون دينار تونسي. كذلك ميزان الحساب الجاري سجل إنهيار عمودي حادة في فترة وجيزة مما يفسر بصعوبة الوضع الإقتصادي الحرج بين سنة 2021-2022 من 1931.70 مليون دينار تونسي إلي 7102.50 مليون دينار تونسي و ذلك خلال سنة واحدة.

أما بخصوص الديون الخارجية التونسية فهي في نسق تصاعدي بإستمرار من 29166.90 مليون دينار تونسي سنة 2009 إلي 128012.40 مليون دينار تونسي سنة 2022. في المقابل التصنيف السيادي الإئتماني تحول من نظرة إيجابية مستقرة قبل سنة 2011 إلي نظرة إستشرافية سلبية و تحت الرقابة بمؤشر B- لمؤسسة فيتش و Caa1 لمؤسسة موديز بين سنة 2021 و 2022.

الدين الحكومي التونسي للناتج المحلي الإجمالي إرتفع الي نسبة 80℅ سنة 2021 و ذلك بنسق تصاعدي و الإنفاق الحكومي كان بدوره في إرتفاع ملحوظ من أقل 10000 مليون دينار تونسي سنة 2010 إلي حدود 24620.20 مليون دينار تونسي و هذا يفسر بزيادة الإنفاق بسرعة خلال عشرية فقط منها الإنتدابات بالوظيفة العمومية و الزيادة في الأجور.

أما في المقابل الإنتاج الصناعي شهد إنخفاض من 77.60℅ بين سنة 2021-2022 إلي حدود 4.49℅ سنة 2022 في فترة وجيزة نتيجة عدة عوامل منها الداخلية والخارجية وعدم إستقرار الشركات الخاصة بعلاقاتها الخارجية في ظل الحرب الدائرة بأوكرانيا. أما الضرائب علي الشركات فهي إنخفضت من أجل دعم القطاع الخاص و المبادرة علي بعث مشاريع لكن في مجملها تعد خسارة للعوائد المالية للدولة من الجباية لتغطية العجز الحكومي وذلك من 35℅ بين سنة 2004-2008 إلي حدود 15℅ سنة 2022.

كذلك إرتفاع نسبة البطالة إلي حدود نسبة 16.82℅ سنة 2021 و إرتفاع و تراكم في عمليات الشراء و الرسوم الخاصة بصندوق النقد الدولي (إجمالي الضرائب بالدولار الأمريكي و إرتفاع ملحوظ في إستخدام رصيد صندوق النقد الدولي بالقيمة الحالية للدولار الأمريكي و هذا يفسر بلجوء الإقتصاد التونسي للدين الخارجي بنسق تصاعدي خلال السنوات الأخيرة. إجمالا هذه المؤشرات تؤكد وجود ركود بالإقتصاد التونسي و بوادر للتضخم الجامح في الأفق.

 

* كاتب تونسي و باحث اقتصادي دولي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment